أولاً: الضمان المقصود هنا هو ضمان المال وبالذات ضمان الديون، لأن عقد المرابحة للآمر بالشراء يرتبُ ديناً في ذمة الآمر بالشراء، والضماناتُ التي تشترطها المصارف الإسلامية تشمل الضمانات الشخصية كما هو الحال في الكفالة، وهي ضمُّ ذمَّةِ الكفيل إلى ذمَّةِ الأصيل في الدَّين. وتحويل الراتب إلى المصرف وهو ضمانٌ من طرفٍ ثالثٍ يلتزم بتحويل راتب المدين إلى المصرف الدائن، وضماناتٍ عينيةٍ مثل الرهن، ولكن الرهن المعمول به في حالة السيارة هو رهنٌ قانونيٌ كما سيأتي. ومن الضمانات أخذُ شيكاتٍ شخصيةٍ من الآمر بالشراء، ويجوز أيضاً أن تكون السلعةُ المبيعةُ من الضمانات. وغير ذلك.

وقد قامت الأدلةُ على مشروعية الضمان، ومنها: قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} سورة يوسف الآية 72. أي كفيلٌ ضامنٌ، فقد ضمن يوسفُ عليه السلام لمن جاء بصُواعَ المَلِكِ - وهو إناؤه الذي كان يشرب به أو الصاع الذي يُكال به - قَدْرَ ما يحمله البعيرُ من الطعام.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الزعيمُ غارمٌ) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وصححه العلامة الألباني. 

وعن جابر رضي الله عنه قال: (مات رجلٌ فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟ قالوا: نعم ديناران. فتخلف قال: صلوا على صاحبكم. فقال له رجلٌ منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما عليَّ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء. فقال: نعم فصلى عليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله. قال الْآنَ حِينَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وحسَّنه العلامة الألباني. 

كما أن الضمان مشروعٌ حفظاً للحقوق، ورعايةً للعهود، وجبراً للأضرار، وزجراً للجناة، وحداً للاعتداء، ولتوثيق الالتزامات ولمنع تعريض الديون للضياع أو المماطلة. 

وقد نقل كثيرٌ من الفقهاء الإجماعَ على جواز الكفالة - وإن اختلفوا في بعض الفروع - لحاجة الناس إليها ودفع الضرر عن المدين، قال صاحب الاختيار: بُعثَ النبيُ صلى الله عليه وسلم والناسُ يتكفلون فأقرهم عليه، وعليه الناس من لدن المصدر الأول إلى يومنا هذا من غير نكير. الموسوعة الفقهية الكويتية 34/289-290 بتصرف.

ثانياً: الضمانات التي ذكرتها سابقاً هي ضماناتٌ مشروعةٌ، والهدف منها أن يحافظ المصرف الإسلامي على أموال المساهمين والمستثمرين فلا بد من الضمانات القوية، ولا يتسع المقام لتفصيلها، ولكن أوضح بعض الأمور:

  1. لا مانع شرعي من أخذ شيكاتٍ شخصيةٍ من الآمر بالشراء كنوعٍ من الضمان، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما يلي:[الأوراق التجارية (الشيكات) من أنواع التوثيق المشروع للدَّين بالكتابة] مجلة المجمع العدد السابع ج 2 ص9. وورد في المعيار الشرعي رقم (5) المتعلق بالضمانات: [ لا مانع من الحصول من المدين على شيكات أو سندات إذنية (سندات الأمر) بصفتها وسيلةً لحملِ المدين على أداء الأقساط نقداً في مواعيدها، بحيث تُعاد إليه إذا أدى، أو ترسل للتحصيل إذا تخلف عن الأداء. ويحق لمن يقدم الشيكات أو السندات الحصول على المؤسسة على تعهد بعدم استخدامها إلا لاستيفاء المستحقات في موعدها دون زيادة].
  2. يجوز للمصرف الإسلامي أن يشترط رهنَ السلعة المبيعة- السيارة - ضماناً لسداد ثمنها، وهذا على الراجح من أقوال الفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي والصحيح من مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والعلامة العثيمين وغيرهم، وقد أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: [...وظاهر الرواية عند أحمد صحة رهنه] المغني 4/285. وقال العلامة ابن القيم: [وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه، ولا محذور في ذلك أصلاً، ولا معنىً، ولا مأخذاً قوياً يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟.لا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمامُ أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله...وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وبعض أصحاب الإمام أحمد، وهو الصحيح] إعلام الموقعين 4/33. وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [يجوز رهن المبيع قبل قبضة على ثمنه في أصح الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه ومن غير البائع، بل رهنه على ثمنه أولى، فإنّه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن، فلأن يصح حبسه على الثمن رهناً أولى وأحرى] إغاثة اللهفان 2/53. وقال البهوتي الحنبلي: [فيصح اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فلو قال: بعتك هذا على أن ترهننيه على ثمنه، فقال: اشتريت ورهنتك صح الشراء والرهن] كشاف القناع 3/189. وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (53/2/6): [لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة]. وأجازت هيئة كبار العلماء السعودية في دورتها الثانية والخمسين أن يبيع الشيءَ ويرهنهُ على ثمنه ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك. ومن المعلوم عند الفقهاء أن الرهن هو جعل عينٍ ماليةٍ وثيقةً بدين يُستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء، انظر المادة (701) من مجلة الأحكام العدلية، والأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى:{وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}سورة البقرة الآية 283، وثبت في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال:(رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله) رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجلٍ ورهنه درعاً من حديد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى في الصحيحين (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير). وجاء في فتاوى هيئة الفتاوى والرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي: [هل يجوز للمصرف ‏الإسلامي إدخال السلعة المبيعة بالمرابحة كضمان‏‏؟ الجواب: العقد شريعة المتعاقدين فإذا اشترط البائع أن يحبس المبيع حتى أداء جميع الثمن فهو شرط يقتضيه العقد، وإنما يحبس البائع المبيع إذا كان الثمن حالاً، أما إذا كان مؤجلاً فلا يجوز الحبس لأنه رضي بتأخير الثمن، لكن ‏ ‏يجوز له أن يرهن المبيع رهنا ائتمانياً أي رسمياً ‏- ‏‏يُنص عليه في العقد حتى يستوفي الثمن ضماناً لحق البنك، لأن الرهن الائتماني لا يمنع المالك من التصرف في ملكه ‏] عن الإنترنت.
  3. رهنُ السيارة المبيعة في المرابحة لدى دوائر السير المعمول به، هو رهنٌ رسميٌ قانوني ويسمى رهناً إئتمانياً أو رهناً تأمينياً، وهذا الرهن لا يترتب عليه نقلُ حيازة السلعة من المشتري إلى البائع، بل تبقى السلعةُ – السيارة - في ملك المشتري وتحت تصرفه، ولكن لا يحق له التصرف بالمركبة المرهونة ببيعها أو رهنها رهناً ثانياً للغير أو رهن أي حصص فيها أو طلب ترخيصها أو طلب فك الرهن عنها أو نقل الملكية أو ترتيب أي حق أو التزام عليها إلا بموافقة البنك، ويبقى الرهن قائماً على المركبة حتى السداد النهائي والتام وإبراء ذمة المشتري لدى البنك كما ورد في صك الرهن المعمول به، ومستند الرهن الرسمي- التأميني- هو ما نصت عليه القوانين المدنية، كما في المواد (1322-1334) من القانون المدني الأردني، وإن كان الأصل أن محل الرهن التأميني هو العقار إلا أن القانون المدني الأردني ألحق المنقول بالعقار في سريان أحكام الرهن التأميني عليه، فقد ورد في المادة رقم (1334):[تسري أحكامُ الرهن التأميني على المنقول الذي تقتضي قوانينه الخاصة تسجيله كالسيارة والسفينة].

والرهن التأميني أو الرسمي جائز شرعاً، وهو من باب حفظ الحقوق، ولضمان أداء الديون.

قال العلامة محمد العثيمين جواباً على سؤال يتعلق بالرهن الرسمي:[...وأما من تساهل في ذلك وباعه- أي العقار - بحجة أن جمهور العلماء يرون أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وأن هذا العقار ليس مقبوضاً من قبل الصندوق لأنه بيد صاحبه، فهذا التساهل فيه نظر من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا الراهن قد التزم شرطاً على نفسه، وهو أنه لا يتصرف فيه ببيعٍ ولا غيره، فهو قد التزم بذلك، ولو فرضنا أن هذا ليس مقتضى الرهن المطلق إذا لم يُقبض، فإن هذا التزام شرطٍ لا ينافي الكتاب ولا السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) ومفهومه كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حقٌ وثابتٌ، وفي الحديث الذي في السنن المشهور:(المسلمون على شروطهم إلى شرطاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً). 

الوجه الثاني: أن القول الصحيح في هذه المسألة أن الرهن يلزم ولو بدون القبض إذ لا دليل على وجوب قبضه إلا قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وفي الحقيقة أن هذه الآية يرشد الله فيها الإنسان إلى التوثق من حقه في مثل هذه الحال، إذا كان على سفرٍ ولم يجد كاتباً ولا طريقة إلى التوثق بحقه، في مثل هذه الحال إلا برهن مقبوض لأنه لو ارتهن شيئاً ولم يقبضه لكان يمكن أن ينكر الراهنُ ذلك الرهن، كما أنه يمكن أن ينكر أصل الدَّين، ومن أجل أنه يمكن أن ينكر أصل الدَّين أرشد الله تعالى إلى الرهن المقبوض، فإذن لا طريق للتوثق بحقه في مثل هذه الحال إلا إذا كان الرهنُ مقبوضاً، ثم إن آخر الآية يدل على أنه إذا لم يُقبض وجب على من أؤتمن عليه أن يؤدي أمانته فيه، لأنه قال: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} فإذا كان كذلك، فإن المرتهن قد أمَّن الراهنَ بإبقائه عنده، فإذا كان قد ائتمنه فإن واجب الراهن أن يؤدي أمانته وأن يتقي الله ربه، ثم إن عمل الناس عندنا على هذا، فإن صاحب البستان يستدين لتقويم بستانه وبستانهُ بيده، وصاحب السيارة يرهن سيارته وهي في يده يكدها وينتفع بها، وكذلك صاحب البيت يرهنه لغيره وهو ساكنه، والناس يعدون هذا رهناً لازماً ويرون أن لا يمكن للراهن أن يتصرف فيه بالبيع، فالقول الصواب في هذه المسألة أن الرهن يلزم وإن لم يقبض متى كان معيناً، وهذا العقار الذي استدين من صندوق التنمية له، هو رهنٌ معينٌ قائمٌ، فالرهن فيه لازم، وإن كان تحت يد الراهن، إذن فلا يجوز لمن استسلف من صندوق التنمية أن يبيع عقاره الذي استسلف له إلا في إحدى الحالين السابقين أن يستأذن من المسؤولين في البنك ويأذنوا له، أو أن يوفي البنك ويحرر العقار من الرهن] عن موقع الشيخ على الإنترنت. 

وورد في معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية:[ينبغي أن تطلب المؤسسة من العميل ضماناتٍ مشروعةٍ في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء. ومن ذلك حصول المؤسسة على كفالة طرفٍ ثالث، أو رهن الوديعة الاستثمارية للعميل أو رهن أي مال منقول أو عقار، أو رهن سلعة محل العقد رهناً ائتمانياً رسمياً دون حيازة، أو مع الحيازة للسلعة وفك الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد] المعايير الشرعية ص 115. 

ثالثاً: إن حمايةَ رأس المال أمرٌ مقررٌ شرعاً، بل هو من مقاصد الشريعة الإسلامية، لذا فإن المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أكدت على الضمانات المختلفة من أجل المحافظة على المال، فمن ذلك ما ورد في المعيار الشرعي رقم (45) المتعلق بحماية رأس المال والاستثمارات:[ من الوسائل المشروعة لحماية رأس المال: أخذُ الرهونات والضمانات في المرابحة أو السلم أو الاستصناع لتوثيق استيفاء الديون.]

ومنها الضمانات في المرابحة فقد ورد في معيار المرابحة:[

  • 2/5 الضمانات المتعلقة بالشروع في العملية
  • 2/5/1 يجوز للمؤسسة أن تحصل من العميل الآمر بالشراء على كفالة حسن أداء البائع الأصلي لالتزاماته تجاه المؤسسة بصفته الشخصية، وليس بصفته آمراً بالشراء، ولا وكيلاً للمؤسسة، وعليه فلو لم يتم عقد المرابحة تظل كفالته قائمة.ولا تطلب مثل هذه الكفالة إلا في الحالات التي يقترح فيها العميل بائعاً معيناً تشتري المؤسسة منه السلعة موضوع المرابحة.ويترتب على هذا الضمان تحمل العميل الضرر الواقع على المؤسسة نتيجة عدم مراعاة البائع لمواصفات السلعة وعدم الجدية في تنفيذ التزاماته، مما يؤدي إلى ضياع جهود المؤسسة وأموالها أو يترتب عليه الدخول في منازعات ومطالبات باهظة.
  • 2/5/3 يجوز للمؤسسة في حالة الإلزام بالوعد أن تأخذ مبلغاً نقدياً يسمى هامش الجدية، يدفعه العميل بطلب من المؤسسة من أجل أن تتأكد من القدرة المالية للعميل، وكذلك لتطمئن على إمكان تعويضها عن الضرر اللاحق بها في حال نكول العميل عن وعده الملزم.وبذلك لا تحتاج المؤسسة إلى المطالبة بدفع تعويض الضرر وإنما تقتطع ذلك من مبلغ هامش الجدية، ولا يعتبر هامش الجدية عربوناً وهذا المبلغ المقدم لضمان الجدية إما أن يكون أمانة للحفظ لدى المؤسسة فلا يجوز لها التصرف فيه، أو أن يكون أمانة للاستثمار بأن يأذن العميل للمؤسسة باستثماره على أساس المضاربة الشرعية بين العميل والمؤسسة.]

وورد في ضوابط بنك البلاد- بنك إسلامي-:[ضمانات المرابحة ومعالجة مديونيتها:يجوز اشتراط البنك على العميل حلول بعض الأقساط المستحقة قبل مواعيدها عند عدم سداده للأقساط دون عذر معتبر، وينبغي للبنك أن يتنازل في هذه الحالة عن جزء من المستحقات على ألا يكون مشروطاً في العقد.

للبنك أن يطلب من العميل ضمانات مشروعة في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء.ومن ذلك: كفالة طرفٍ ثالثٍ، أو رهن أي منقولٍ أو عقارٍ للعميل، ولو كان المرهون مبلغاً في حسابٍ جارٍ أو استثماري له، أو كان المرهون هو السلعة محل العقد سواءٌ كان الرهن حيازياً، أو رسمياً دون حيازة. وينبغي فك الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد.

يجوز مطالبة البنك للعميل بتقديم شيكاتٍ أو سندات لأمر بعد إبرام عقد المرابحة للآمر بالشراء ضماناً للمديونية، شريطة النص على أنه لا يحق للبنك استخدام الشيكات أو السندات إلا في مواعيد استحقاق الدين، ولو كانت الشيكات أو السندات حالة.]

وورد في المعيار الشرعي رقم (11) الاستصناع والاستصناع الموازي:[3/3 الضمانات:

  • 3/3/1 يجوز أن تقبل المؤسسة إن كانت صانعةً، أو أن تدفع إن كانت مُستصنِعةً، عربوناً لتوثيق العقد، بحيث يكون جزءاً من الثمن إن لم يفسخ العقد، أو يستحقه الصانع في حال فسخ العقد. والأولى أن يقتصر على مقدار الضرر الفعلي.
  • 3/3/2 يجوز للمؤسسة في عقد الاستصناع، سواء كانت صانعةً أم مُستصنِعةً، أن تأخذ الضمانات التي تراها كافيةً للوفاء بحقوقها لدى المستصنِع أو الصانع، كما يجوز لها إذا كانت مُستصنِعةً أن تعطي الضمانات التي يطلبها الصانع، سواء كان الضمان رهناً أم كفالةً أم حوالة حقٍّ أم حساباً جارياً أم إيقاف السحب من الأرصدة.]

وورد في المعيار الشرعي رقم (13) المضاربة: [ الضمانات في عقد المضاربة: يجوز لرب المال أخذُ الضمانات الكافية والمناسبة من المضارب، بشرط أن لا ينفذ رب المال هذه الضمانات إلا إذا ثبت التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط عقد المضاربة].

وورد في المعيار الشرعي رقم (9) الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك:[ضمانات مديونية الإجارة ومعالجتها:

6/1 يجوز أخذُ الضمانات المشروعة بأنواعها لتوثيق الحصول على الأجرة أو الضمان في حالة التعدي أو التقصير مثل الرهن والكفالة وحوالة الحق على مستحقات المستأجر لدى الغير، ولو كانت تلك المستحقات تعويضات تأمين مشروع عن شخص المستأجر وممتلكاته.]

رابعاً: هنالك ضمانات غير مشروعة لا يجوز للمصرف الإسلامي أن يطلبها أو أن يقبلها،ومنها:

  1. أنه لا يجوز أن تكون الودائع لدى البنوك الربوية ضماناتٍ للتمويلات الممنوحة من قبل المصرف الإسلامي.
  2. ولا يجوز أن تكون أسهمُ الشركات المحرمة كالبنوك الربوية أو أسهم الشركات التي تتعامل بالحرام ضماناتٍ للتمويلات الممنوحة من قبل المصرف الإسلامي. 
  3. ولا يجوز أن تكون سنداتُ الديون وشهاداتُ الاستثمار الربوية ضماناتٍ للتمويلات الممنوحة من قبل المصرف الإسلامي. 
  4. ولا يجوز أن يكون الاحتفاظُ بملكية المبيع من الضمانات،ورد في المعيار الشرعي رقم (5)المتعلق بالضمانات:[4/4/3 لا حقَّ للبائع في اشتراط عدم انتقال ملكية المبيع بعد البيع ضماناً للثمن؛ لأن المقتضى الشرعي لعقد البيع هو انتقال الملكية. ويجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة، كما يجوز له حبس المبيع لاستيفاء ثمن البيع الحال].

وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (53/2/6):[لا يحقُّ للبائع الاحتفاظَ بملكية المبيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة].

وخلاصة الأمر أن الضمانات المقصودة هي ضمان الديون. وقد قامت الأدلة على مشروعية الضمان. والهدف من الضمانات أن يحافظ المصرف الإسلامي على أموال المساهمين والمستثمرين. ولا مانع شرعي من أخذ شيكاتٍ شخصيةٍ من الآمر بالشراء كنوعٍ من الضمان. كما يجوز للمصرف الإسلامي أن يشترط رهن السلعة المبيعة كالسيارة ضماناً لسداد ثمنها. ورهن السيارة المبيعة في المرابحة هو رهنٌ رسميٌ قانونيٌ ولا يترتب عليه نقلُ حيازة السلعة من المشتري إلى البائع. 

والمعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أكدت على الضمانات المشروعة في صيغ التمويل الإسلامي من أجل المحافظة على المال.

أولاً: لا زال بعض الناس يُشكك في المصرفية الإسلامية، ويُشكك بما تقوم به المصارف الإسلامية من معاملات، ويزعم أنه لا فرق بين معاملة المصرف الإسلامي ومعاملة البنك الربوي – التجاري - ولا شك لديَّ أن هذا تجنٍ جليٌ وواضحٌ على المصرفية الإسلامية، وجهلٌ أو تجاهلٌ للمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المصرفية الإسلامية، وللمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه البنوك الربوية. فالمصرفية الإسلامية تقوم على أساس المعاملات المشروعة كالمضاربة والاستصناع والمشاركة والمرابحة والإجارة وغيرها من الصيغ الشرعية.

ولا يخفى أن البنوك الربوية مبنيةٌ على أساس الربا -الفائدة- المحرم بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة، وقد اتفق الفقهاء قديماً وحديثاً على أن تحريم الربا قطعيٌ في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الربا من أكبر الكبائر، قال الله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ   فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}سورة البقرة الآيات 275-279.  

قال الإمام السرخسي: [وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمساً من العقوبات: أحدها: التخبطُ، قال الله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} والثاني: المحقُ، قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا} والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحربُ، قال الله تعالى:{فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} والرابع: الكفرُ، قال الله تعالى:{وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وقال تعالى:{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي: كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا، والخامس: الخلود في النار، قال الله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}] المبسوط 12/109-110. 

وثبت في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 1/633. 

وقال صلى الله عليه وسلم: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 4/117. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29.

ولا شك أن المصرفية الإسلامية وبعد مضي أربعين عاماً على وجودها حققت نمواً كبيراً، وانتشرت شرقاً وغرباً، ويتزايد المتعاملون معها بشكل كبيرٍ، والمصرفية الإسلامية تقدم معاملاتٍ شرعيةٍ بديلةٍ للمعاملات الربوية المحرمة، ولا يعني هذا عدم وجود أخطاءٍ أو تقصيرٍ في معاملات المصارف الإسلامية، أو أنها حققت أهدافها بشكلٍ تامٍ، ولكن من الواضح لكل متابعٍ منصفٍ أن تعاملها يتحسن بمرور الوقت.

ثانياً: زعم المرابون قديماً وحديثاً أنه لا فرق بين البيع والربا، وقد جاء كلام ربنا عز وجل واضحاً وحاسماً: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فلآية الكريمة وبدلالة العبارة نفت المماثلة المزعومة بين البيع والربا. فالبيعُ عقد معاوضةٍ اجتمع فيه المالُ والعملُ، بخلاف الربا الذي يجعل المالَ يولد المالَ مقابل المدة الزمنية.

قال الشيخ ابن العربي المالكي: [وتبين أن معنى الآية: وأحلَّ اللهُ البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على صحة القصد والعمل، وحرَّم منه ما وقع على وجه الباطل. وقد كانت الجاهليةُ تفعله كما تقدم، فتزيد زيادة لم يقابلها عوضٌ، وكانت تقول: إنما البيع مثل الربا، أي: إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً مثل أصل الثمن في أول العقد فردَّ اللهُ تعالى عليهم قولهم، وحرَّم ما اعتقدوه حلالاً عليهم] أحكام القرآن 1/486.

وعليه لا بد من توضيح الفرق بين الربح والفائدة – الربا -، لأن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها المصارف الإسلامية هي البعدُ عن الربا – الفائدة - في جميع معاملاتها أخذاً وإعطاءً، ومعاملاتها تقوم على أساس تحقيق الربح للمساهمين والمستثمرين. بينما تقوم أكثرُ معاملات البنوك الربوية على الربا – الفائدة - أخذاً وإعطاءً.

فالربحُ هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري، أو هو الزائدُ على رأس المال نتيجة تقليبه في الأنشطة الاستثمارية المشروعة كالتجارة والصناعة وغيرها. والربحُ عند الفقهاء ينتج من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما: العمل ورأس المال، فالعمل له دورٌ كبيرٌ في تحصيل الربح. انظر الربح في الفقه الإسلامي ص 44-45.

وأما الفائدة فهي زيادةٌ مستحقةٌ للدائن على مبلغ الدَّين يدفعها المدينُ مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء. انظر الفائدة والربا ص 16، فإذا تأملنا تعريف الفائدة فنجد أنها زيادةٌ في مبادلة مالٍ بمالٍ لأجلٍ، أي أن الفائدة هي مقابل المدة الزمنية. وعليه فالربح ثابتٌ لا يزيد، أما الفائدة – الربا- فهي متزايدة.

 ولتوضيح الصورة بالمثال أبينُ الفرقَ بين المرابحة للآمر بالشراء -وهي من أكثر معاملات المصارف الإسلامية انتشاراً- وبين القرض الربوي في البنوك التجارية:

  1. المرابحة للآمر بالشراء هي عقد بيع يقع على السلع والعقارات ونحوها، وهي من بيوع الأمانة عند الفقهاء، ولا بد من معرفة ثمن شراء السلعة ومعرفة الربح،بينما القرض الربوي هو إقراض مالٍ مقابل مالٍ مع زيادةٍ في مقابل المدة. والقرض الربوي يقع على النقود فقط،والنظام الرأسمالي نظر للنقود على أنها سلعةٌ، بينما نظر إليها النظام الاقتصادي الإسلامي على أنها وسيلةٌ وليست سلعةً. أي أن المال في الاسلام هو أداةٌ لقياس ثمن السلع.
  2. في عقد المرابحة للآمر بالشراء يشتري المصرفُ الإسلامي السلعة ويقبضها قبضاً حقيقياً أو حكمياً فتدخل في ملكه، ومن ثم يبيعها بالتقسيط بثمنٍ معلومٍ وربحٍ معلومٍ. والمصرف الإسلامي لا يبيع سلعةً إلا بعد أن يملكها بعقدٍ صحيحٍ. بينما في التمويل الربوي للسلع والعقارات فإن البنك الربوي لا يشتري ولا يبيع بل يمول بالفائدة، وهذا ما نصَّ عليه قانون المصارف رقم (9) لسنة 2010م في المادة (14) فقد ذكر أنه مما يحظر على البنوك التجارية القيام به:[ممارسة العمليات التجارية أو الصناعية أو أية أعمال أخرى وامتلاك أو التعامل بالعقارات أو الملكيات بالشراء أو البيع أو المقايضة].
  3. يتحمل المصرف الإسلامي أي عيبٍ في السلعة قبل أن يبيعها وأي عيبٍ خفيٍ يظهر في السلعة بعد بيعها، بينما في التمويل الربوي للسلع والعقارات، فإن البنك الربوي لا يتحمل أي عيبٍ لأنه لم يبع وإنما أقرض فقط.
  4. إن المبلغ الذي سيدفعه المرابح (الثمن والربح) المتفق عليه عند توقيع عقد المرابحة للآمر بالشراء يبقى ثابتاً لا يتغير أبداً، وأما في القروض الربوية فإن نسبة الفائدة متغيرةٌ ومربوطةٌ بمؤشر الليبور.

وهذه فروقٌ جوهريةٌ بين معاملة المصرف الإسلامي وبين معاملة البنك التجاري –الربوي-.

ثالثاً: إذا تقرر ما سبق فإنه من الخطأ الواضح عقدُ مقارنةٍ بين نسبة الربح في المصارف الإسلامية ونسبة الربا في البنوك التجارية الربوية فقط، والصواب هو النظرُ إلى تكلفة التمويل الإجمالية في الحالتين، والمقارنة بينهما، وليتضح الفرقُ في تكلفة التمويل الإجمالية بين معاملة المصرف الإسلامي وبين معاملة البنك التجاري –الربوي- أقول:

  1. المصرف الاسلامي لا يتقاضى أية مبالغ إضافيةٍ عند التعثر في السداد وعدم تسديد الأقساط بعكس البنوك الربوية، ففي حالة المصرف الاسلامي يُشكلُ التعثرُ وعدمُ التسديد خسارةً على المصرف، بينما يمثل ذلك عائداً وفائدةً إضافية لدى البنوك الربوية، بل إن الحصة الأكبر في عوائدها ناتجةٌ عن تعثر العملاء، حيث تفرض عليهم فوائد كغرامة على التأخر في السداد، وهذه الفوائد هي فوائدُ مركبةٌ، أي أن البنك الربوي يأخذ فائدةً على الفائدة أيضاً.
  2. أرباح المصرف الإسلامي ثابتةٌ بمجرد انعقاد العقد، وهي غير قابلةٍ للزيادة حتى في حال مماطلة الزبون وتأخره في السداد، لأنه من المقرر عند الفقهاء أن الدَّين إذا استقرَّ في ذمة المدين، فأي زيادةٍ عليه تعتبر ربا، بينما الفائدة الربوية ليست ثابتةً بل متغيرة حيث إنها مربوطةٌ بمؤشر الليبور، وهو:[المؤشر الرئيسي الذي تستخدمه البنوك الربوية ومؤسسات الائتمان والمستثمرون لتثبيت تكلفة الاقتراض في أسواق المال في جميع أنحاء العالم، وكلمة Libor هي اختصار لمعدل الفائدة المعروض من قبل مصرف لندن، ويستخدم الليبور لحساب معدلات الفائدة الربوية المطبقة في قطاعٍ كبيرٍ من العقود والقروض والتبادل التجاري على المدى القصير. ويتم وضع الليبور من قبل جمعية المصارف البريطانية BBA عند تثبيت معدل الليبور وتتبادل الـ BBA الرأي مع Libor Steering Group التي تقود نشاط ممارسي سوق المال في لندن] كتاب معيار قياس أداء المعاملات المالية الإسلامية بديلاً عن مؤشر الفائدة ص 16 بتصرف. وبالتالي فان الفوائد التي سيتقاضاها البنك الربوي من العميل مجهولةٌ وغير معلومةٍ نظراً لتغير سعر الفائدة العالمي -الليبور- ولا يمكن معرفة ما يدفعه العميل من فوائد إلا حين الانتهاء من التسديد الفعلي لكامل قيمة القرض الربوي.
  3. لا يتقاضى المصرف الاسلامي عمولاتٍ ولا أجوراً على التمويل مثل البنوك الربوية التي تفرض على زبائنها مبلغاً مقطوعاً، وهو ما يسمى رسوم القرض، وهذا المبلغ المقطوع يشكل نسبةً مئويةً معينةً تضاف الى نسبة الفائدة المعلنة للزبائن.
  4. يتم تحصيل القسط في موعده لدى المصرف الإسلامي وفي حالة التأخير يبقى القسطُ كما هو دون زيادةٍ، وأما في البنوك الربوية فيتم قيدُ القسط قبل يوم عملٍ واحدٍ من تاريخ القسط، ويتم تسجيلُ فائدةٍ، حتى لو كان الرصيد دائناً، وقد يصادف موعد السداد يوم إجازةٍ رسميةٍ أو عطلة أسبوعية، فيتم قيدُ فوائد تأخير في هذه الحالة، وهذه المبالغ لا يمكن معرفتها إلا حين الانتهاء الفعلي من التسديد.
  5. عند تعجيل السداد في معاملات المصرف الإسلامي يجوز خصم مبلغ من أرباحه على القاعدة الفقهية المعروفة "ضع وتعجل". وأما البنك الربوي فيفرض رسوماً على التسديد المبكر تحت ما يسمى بالفرصة البديلة.
  6. تقوم البنوك الربوية بتثبيت سعر سداد العملة عند منح القرض بحيث لا يقل عن السعر المثبت في حال انخفاض سعر الصرف في السوق، وبالتالي يضطر العميل لدفع فرق العملة أيضاً عند سداد القسط، بعكس ما يحصل في المصرف الإسلامي الذي يكون فيه سعر العملة حسب سعرها في السوق يوم السداد.
  7. يتقاضى المصرف الإسلامي ربحه مقسطاً على دفعات مع الأقساط الشهرية المتفق عليها مع الزبائن، بعكس البنوك الربوية التي تتقاضى فوائدها مسبقاً وتخصمها من أصل القرض فوراً، وهذا يؤثر أيضاً في نسبة الفائدة المعلنة.
  8. وهذا مثالٌ لتوضيح الفرق في تكلفة التمويل الإجمالية بين معاملة المصرف الإسلامي وبين معاملة البنك التجاري –الربوي-: يرغبُ شخصٌ بشراء مركبةٍ من المصرف الإسلامي بقيمة 10000$ بالتقسط لمدة سنة،فيكون ربح المصرف الإسلامي 5%×10000=500$ وبالتالي يكون مجموع المبلغ المطلوب من العميل 10500$ ÷12 شهر =875$ وهذا المبلغ ثابتٌ لا يتغير مهما حدث. - في البنك الربوي: قرض بقيمة 10000$ بفائدة 4% تحسب التكلفة كما يلي:4% × 10000  = 400$ وعليه يخصم من أصل المبلغ الفوائد 400$ بالإضافة الى مبلغٍ مقطوعٍ 160$ مثلاً كرسوم قرض -تختلف من بنك لآخر- وبالتالي مجموع ما يقبضه العميل في الحساب هو مبلغ 9440$ ÷ 12 شهر = 786.7$ وهنا يعتقد العميل أن البنك الربوي أفضل، ولكن الحقيقة أنه بتقسيم الفائدة المأخوذة فعلاً والمبلغ المقبوض فعلاً يتضح أن نسبة الفائدة تعادل هنا 560$÷9440$=5.9% وهي النسبة المأخوذة فعلياً وليست 4% كما يظهر للعميل، وهذا غبنٌ وتحايلٌ، بالإضافة الى ذلك فان البنك الربوي يأخذ نسبة 1% فائدة تأخير عن إجمالي القرض أو فائدة تأخير من 17% الى 24% - تختلف من بنك لآخر- من قيمة القسط عن كل يوم تأخير في السداد وتتراكم هذه الفوائد في كل مرة ويضيفها الى المبلغ المطلوب من العميل (فائدة مركبة). والأهم من ذلك كله أن نسبة الفائدة غير ثابتةٍ، وإنما هي مربوطةٌ بمؤشر الليبور +، وبالتالي تتغير ارتفاعاً وانخفاضاً حسب مؤشرات الفائدة العالمية، علماً بأن العميل يتأثر وتزداد عليه الفائدة في حال ارتفاع أسعار الفائدة العالمية ولا يستفيد في حال الانخفاض بسبب مؤشر الليبور +. وبناءً على هذه الأرقام الواردة أعلاه يتضح أن التكلفة الإجمالية للتمويل الربوي إن لم تكن مساوية للتكلفة الإجمالية في التمويل الإسلامي فهي أعلى منها.

هذا مع ما سبق من حرمة الربا، وأنه لا تجوز المقارنةُ بين الحلال والحرام، فالزنا أرخص بكثيرٍ من الزواج. وكذلك معلومية وثبات المبلغ الذي سيدفع في التمويل الإسلامي. وكذلك ضمان المصرف الإسلامي للسلعة المباعة عن طريقه للعميل كما سبق.

وخلاصة الأمر أن هنالك تجنٍ جليٍ وواضحٍ على المصرفية الإسلامية، وجهلٍ أو تجاهلٍ للمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه المصرفية الإسلامية، وللمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه البنوك الربوية. فالمصرفية الإسلامية تقوم على أساس المعاملات المشروعة. ومن الباطل المحض ما زعمه المرابون قديماً وحديثاً بأنه لا فرق بين البيع والربا.

وأن الربح هو الزيادة على رأس المال نتيجة تقليبه في النشاط التجاري، وهو ناتجٌ من تفاعل عنصري الإنتاج الرئيسيين وهما: العمل ورأس المال.

وأما الفائدة فهي زيادةٌ مستحقةٌ للدائن على مبلغ الدَّين يدفعها المدينُ مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء. وأكثر معاملات البنوك الربوية قائمةٌ على الربا – الفائدة - أخذاً وإعطاءً.

وأن هنالك فروقاً جوهريةً بين معاملة المصرف الإسلامي وبين معاملة البنك التجاري – الربوي - ومن الخطأ الواضح عقدُ مقارنةٍ بين نسبة الربح في المصارف الإسلامية ونسبة الربا في البنوك التجارية الربوية فقط. والصواب هو النظرُ إلى تكلفة التمويل الإجمالية في الحالتين، والمقارنة بينهما. فعند مقارنة الأرقام في التعاملين الإسلامي والربوي يتضح بلغة الأرقام أن التكلفة الإجمالية للتمويل الربوي إن لم تكن مساويةً للتكلفة الإجمالية في التمويل الإسلامي فهي أعلى منها.

مع التأكيد على حرمة الربا، وأنه لا تجوز المقارنةُ بين الحلال والحرام، فالزنا أرخص بكثيرٍ من الزواج.

 وكذلك معلومية وثبات المبلغ الذي سيدفع في التمويل الإسلامي. 

أولاً: عقدُ المرابحة المعروف في البنوك الإسلامية، عقدٌ صحيحٌ إذا التزم البنك الإسلامي بتنفيذه وفق شروطه وضوابطه الشرعية التي أقرتها المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، وتتمثل شروطه فيما يلي: 

  1. أن يكون الثمن الأول (الثمن الأصلي) للسلعة معلوماً للمشتري. 
  2. أن يكون الربح معلوماً للمشتري والبائع (البنك). 
  3. ألا يكون الثمن من جنس السلعة المباعة حتى لا يكون هناك ربا.
  4. أن يتملك البائع (البنك)السلعة ملكيةً تامةً بعقدِ بيعٍ صحيحٍ مستوفياً الأركان والشروط.
  5. أن تكون السلعة في حوزة البائع (البنك) فعلاً أو حكماً.
  6. أن تكون السلعة معلومةً ومحددة المواصفات.
  7. أن يبيع البائع (البنك)السلعة للمرابح بعقدٍ مستقلٍ بعد دخول السلعة في ملكه وقبضه لها حقيقةً أو حكماً. 

وينبغي أن يُعلم أنه لا يشترط تملك البنك للسلعة لا عند المساومة ولا المواعدة مع المرابح، وإنما يشترط ذلك فقط عند إجراء عقد بيع المرابحة عليها.

ورد في المعيار الشرعي رقم 8 للمرابحة: [يجوز للمؤسسة أن تشتري السلعة بناءً على رغبة عميلها وطلبه ما دام أن ذلك متفق مع الضوابط الشرعية لعقد البيع ... يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعة بالمرابحة قبل تملكها لها. فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة، وقبضها حقيقةً أو حكماً، بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض...كما يعتبر بيعُ المرابحة غير صحيحٍ إذا كان عقدُ الشراء الأول باطلاً لا يفيد ملكاً تاماً للمؤسسة...يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء. الغرض من اشتراط قبض السلعة هو تحمل المؤسسة تبعة هلاكها، وذلك يعني أن تخرج السلعة من ذمة البائع وتدخل في ذمة المؤسسة. ويجب أن تتضح نقطةُ الفصلِ التي ينتقل فيها ضمان السلعة من المؤسسة إلى العميل المشتري، وذلك من خلال مراحل انتقال السلعة من طرفٍ لآخر...يجب أن يكون كلٌّ من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حالٍ أن يُترك تحديدُ الثمن أو الربح لمتغيراتٍ مجهولةٍ أو قابلةٍ للتحديد في المستقبل؛ وذلك مثل أن يُعقد البيعُ ويُجعل الربحُ معتمداً على مستوى الليبور الذي سيقع في المستقبل] المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

ثانياً: من المقرر في الفقه الإسلامي أن عقد البيع إذا وقع صحيحاً مستوفياً لأركانه وشروطه فهو ناقلٌ لملكية المبيع -السلعة- من البائع للمشتري، ولا يتوقفُ ذلك على قبض السلعة، [وانتقال الملكية من أهم الآثار المترتبة على عقد البيع، فيملك البائعُ الثمن، ويكون ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثرهُ في الضمان] الموسوعة الفقهية الكويتية 9/36.

وبناءً على ذلك فلا يجوز اشتراط بقاء ملك المبيع -السلعة- للبائع، وهذا الشرطُ منافٍ لمقتضى عقد البيع، والعقد الذي يوقعه البنك الإسلامي مع بائع السلعة ينقل ملكيتها للبنك الإسلامي، وليس شرطاً أن تُسجل باسم البنك الإسلامي في الدوائر الرسمية،  جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: [لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة].

وورد في معيار المرابحة: [لا يجوز اشتراط عدم انتقال ملكية السلعة إلى العميل إلا بعد سداد الثمن؛ ولكن يجوز إرجاء تسجيل السلعة باسم العميل المشتري لغرض ضمان سداد الثمن؛ مع الحصول على تفويض من العميل للمؤسسة ببيع السلعة إذا تأخر عن سداد الثمن. وعلى المؤسسة إعطاء المشتري سند ضد لإثبات حقه في الملكية]. 

ثالثاً: مسألةُ تسجيل السيارة في دائرة السير هي مسألةٌ قانونيةٌ، وليست مسألةً شرعيةً، فلا علاقة لها بصحة عقد البيع، فما دام أن البنك الإسلامي قد اشترى السيارة وتملكها بعقدٍ صحيحٍ، فقد دخلت السيارة في ملكية البنك الإسلامي دخولاً حقيقياً بمجرد عقد البيع مع مالكها، ولا يشترط شرعاً أن تسجل السيارة في الدوائر الرسمية باسم البنك الإسلامي، لأن تسجيل السيارة باسمه مسألةٌ قانونيةٌ بحتةٌ، وعدم تسجيل السيارة لا يؤثر في صحة البيع، مع أن البنك الإسلامي يشترط على البائع أن يسجل السيارة باسم الآمر بالشراء بتوكيلٍ من البنك الإسلامي. والسبب في أن البنك الإسلامي لا يُسجل السيارة باسمه هو من باب تخفيض التكاليف المالية وتسهيلاً للمعاملات على المرابح، ومنعاً لنقل ملكية السيارة لأكثر من مالكٍ، وهذا يؤدي إلى إنقاص قيمتها.

رابعاً: يقوم البنك الإسلامي برهن السيارة في دائرة السير رهناً رسمياً قانونياً، ويسمى رهناً ائتمانياً أو رهناً تأمينياً، وهذا الرهن من باب حفظ الحقوق ولضمان سداد الديون، لأن البنك الإسلامي يبيع السيارة في المرابحة على أقساطٍ مؤجلةٍ. 

ولا مانع شرعاً من رهن السلعة المبيعة -السيارة- ضماناً لسداد ثمنها، وهذا على الراجح من أقوال الفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي والصحيح من مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والعلامة العثيمين وغيرهم، وقد أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر  الخلاف في المسألة:[وظاهر الرواية عند أحمد صحة رهنه] المغني 4/285.

وقال العلامة ابن القيم: [وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه، ولا محذورَ في ذلك أصلاً، ولا معنىً، ولا مأخذاً قوياً يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهنَ عينٍ أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ لا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله...وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وبعض أصحاب الإمام أحمد، وهو الصحيح] إعلام الموقعين 4/33.  

وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [يجوز رهن المبيع قبل قبضة على ثمنه في أصح الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه ومن غير البائع، بل رهنه على ثمنه أولى، فإنّه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن، فلأن يصح حبسه على الثمن رهناً أولى وأحرى] إغاثة اللهفان 2/53.

وقال البهوتي الحنبلي:[فيصح اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فلو قال: بعتك هذا على أن ترهننيه على ثمنه، فقال: اشتريت ورهنتك صح الشراء والرهن] كشاف القناع 3/189.

وأجازت هيئة كبار العلماء السعودية في دورتها الثانية والخمسين أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك.

ومن المعلوم عند الفقهاء أن الرهن هو جعل عينٍ ماليةٍ وثيقةً بدينٍ يُستوفى منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء، انظر المادة (701) من مجلة الأحكام العدلية، والأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} سورة البقرة الآية 283.

وثبت في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال:(رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله) رواه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى في الصحيحين (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير). 

وهذا الرهن لا يترتب عليه نقلُ حيازة السلعة من المشتري إلى البائع، بل تبقى السلعة –السيارة- في ملك المشتري وتحت تصرفه، ولكن لا يحقُّ له التصرفُ بالمركبة المرهونة ببيعها أو رهنها رهناً ثانياً للغير أو رهن أي حصصٍ فيها أو طلب فك الرهن عنها أو نقل الملكية أو ترتيب أي حق أو التزام عليها إلا بموافقة البنك، ويبقى الرهنُ قائماً على المركبة حتى السداد النهائي والتام وإبراء ذمة المشتري لدى البنك.

ومستند الرهن الرسمي -التأميني- هو ما نصت عليه القوانين المدنية، كما في المواد (1322-1334) من القانون المدني الأردني، وإن كان الأصل أن محل الرهن التأميني هو العقار إلا أن القانون المدني الأردني ألحق المنقول بالعقار في سريان أحكام الرهن التأميني عليه، فقد ورد في المادة رقم 1334: [تسري أحكام الرهن التأميني على المنقول الذي تقتضي قوانينه الخاصة تسجيله كالسيارة والسفينة]. 

والرهن التأميني أو الرسمي جائز شرعاً، وهو من باب حفظ الحقوق، ولضمان أداء الديون، قال العلامة محمد العثيمين جواباً على سؤال يتعلق بالرهن الرسمي: [...وأما من تساهل في ذلك وباعه- أي العقار - بحجة أن جمهور العلماء يرون أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وأن هذا العقار ليس مقبوضاً من قبل الصندوق، لأنه بيد صاحبه فهذا التساهلُ فيه نظرٌ من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الراهن قد التزم شرطاً على نفسه، وهو أنه لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره، فهو قد التزم بذلك، ولو فرضنا أن هذا ليس مقتضى الرهن المطلق إذا لم يُقبض، فإن هذا التزام شرطٍ لا ينافي الكتاب ولا السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) ومفهومه كل شرطٍ لا يخالف كتاب الله فهو حقٌّ وثابتُ، وفي الحديث الذي في السنن المشهور (المسلمون على شروطهم إلى شرطاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً).

الوجه الثاني: أن القول الصحيح في هذه المسألة أن الرهن يلزم ولو بدون القبض، إذ لا دليل على وجوب قبضه إلا قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وفي الحقيقة أن هذه الآية يرشد اللهُ فيها الإنسانَ إلى التوثق من حقه في مثل هذه الحال، إذا كان على سفرٍ ولم يجد كاتباً ولا طريقة إلى التوثق بحقه، في مثل هذه الحال إلا برهنٍ مقبوضٍ، لأنه لو ارتهن شيئاً ولم يقبضه لكان يمكن أن يُنكر الراهنُ ذلك الرهن، كما أنه يمكن أن يُنكر أصلَ الدين، ومن أجل أنه يمكن أن يُنكر أصل الدين أرشد الله تعالى إلى الرهن المقبوض، فإذن لا طريق للتوثق بحقه في مثل هذه الحال إلا إذا كان الرهنُ مقبوضاً، ثم إن آخر الآية يدل على أنه إذا لم يُقبض وجب على من أؤتمن عليه أن يؤدي أمانته فيه، لأنه قال:{فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} فإذا كان كذلك، فإن المرتهن قد أمنَّ الراهنَ بإبقائه عنده، فإذا كان قد ائتمنه فإن واجب الراهن أن يؤدي أمانته وأن يتقي الله ربه، ثم إن عمل الناس عندنا على هذا، فإن صاحب البستان يستدين لتقويم بستانه وبستانه بيده، وصاحب السيارة يرهن سيارته وهي في يده يكدها وينتفع بها، وكذلك صاحب البيت يرهنه لغيره وهو ساكنه، والناس يعدون هذا رهناً لازماً ويرون أن لا يمكن للراهن أن يتصرف فيه بالبيع، فالقولُ الصواب في هذه المسألة أن الرهن يلزم وإن لم يقبض متى كان معيناً، وهذا العقار الذي استدين من صندوق التنمية له، هو رهنٌ معينٌ قائمٌ، فالرهنُ فيه لازمُ، وإن كان تحت يد الراهن، إذن فلا يجوز لمن استسلف من صندوق التنمية أن يبيع عقاره الذي استسلف له إلا في إحدى الحالين السابقين، أن يستأذن من المسؤولين في البنك ويأذنوا له، أو أن يوفي البنك ويحرر العقار من الرهن والله الموفق] عن موقع الشيخ على الإنترنت. 

وجاء في فتاوى هيئة الفتاوى والرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي: [هل يجوز للمصرف ‏الإسلامي إدخال السلعة المبيعة بالمرابحة كضمان‏‏؟

الجواب: العقد شريعة المتعاقدين فإذا اشترط البائعُ أن يحبس المبيع حتى أداء جميع الثمن فهو شرطٌ يقتضيه العقد، وإنما يحبس البائعُ المبيع إذا كان الثمن حالاً، أما إذا كان مؤجلاً فلا يجوز الحبس لأنه رضي بتأخير الثمن، لكن ‏ ‏يجوز له أن يرهن المبيع رهنا ائتمانياً أي رسمياً ‏- ‏‏يُنص عليه في العقد حتى يستوفي الثمن ضماناً لحق البنك، لأن الرهن الائتماني لا يمنع المالك من التصرف في ملكه ‏] عن الإنترنت.

 وورد في معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية: [ينبغي أن تطلب المؤسسة من العميل ضمانات مشروعة في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء. ومن ذلك حصول المؤسسة على كفالة طرفٍ ثالث، أو رهن الوديعة الاستثمارية للعميل أو رهن أي مال منقول أو عقار، أو رهن سلعة محل العقد رهناً ائتمانياً رسمياً دون حيازة، أو مع الحيازة للسلعة وفك الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد] المعايير الشرعية ص 115. 

وجاء في ضوابط عقد المرابحة الصادرة عن الهيئة الشرعية لبنك البلاد الإسلامي السعودي: [للبنك أن يطلب من العميل ضمانات مشروعة في عقد بيع المرابحة للآمر بالشراء. ومن ذلك: كفالة طرف ثالث، أو رهن أي منقول أو عقار للعميل، ولو كان المرهون مبلغاً في حسابٍ جارٍ أو استثماري له، أو كان المرهون هو السلعة محل العقد سواءٌ كان الرهن حيازياً، أو رسمياً دون حيازة. وينبغي فكُّ الرهن تدريجياً حسب نسبة السداد] موقع بنك البلاد على الإنترنت.

وخلاصة الأمر أن عقد المرابحة المعروف في البنوك الإسلامية عقدٌ صحيحٌ إذا التزم البنك الإسلامي بتنفيذه وفق شروطه وضوابطه الشرعية التي أقرتها المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية.

وعقد البيع إذا وقع صحيحاً مستوفياً لأركانه وشروطه فهو ناقلٌ لملكية المبيع -السلعة- من البائع للمشتري، ولا يتوقف ذلك على القبض.

وأما مسألة تسجيل السيارة في دائرة السير فهي مسألةٌ قانونيةٌ، وليست مسألةً شرعيةً، فلا علاقة لها بصحة عقد البيع، فملكية السيارة تنتقل للمشتري بمجرد العقد. والبنك الإسلامي لا يُسجل السيارة باسمه ليخفض التكاليف ومنعاً لنقل ملكية السيارة لأكثر من مالكٍ فيؤدي إلى إنقاص قيمتها. ويقوم البنك الإسلامي برهن السيارة في دائرة السير رهناً رسمياً قانونياً من باب حفظ الحقوق ولضمان سداد الديون.

بيع المرابحة للآمر بالشراء هو طلب شراء لسلعةٍ معينةٍ بأوصافٍ محددةٍ يقدمه المشتري للمصرف الإسلامي، وذلك مقابل التزام الطالب بشراء ما طلبه حسب السعر والربح المتفق عليهما، ويكون أداء الثمن مقسطاً، وقد دلت عموم النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على حل جميع أنواع البيع بما فيها المرابحة إلا ما استثناه الدليل الخاص، يقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} سورة البقرة الآية 275. 

ويدل على جواز بيع المرابحة ما ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيعٍ مبرور) رواه الطبراني وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع. فهذه العمومات وغيرها من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على جواز بيع المرابحة، وكذلك فإن بيع المرابحة للآمر بالشراء يدخل تحت الأصل المعتبر شرعاً وهو (الأصل في المعاملات الإباحة) وهو أصل مقرر عند فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم، وبيع المرابحة للآمر بالشراء أقرته المجامع الفقهية المعتبرة والهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية، ووضعت له ضوابط ومعايير وخطوات عند التنفيذ حتى يكون صحيحاً، ومنها المعيار الشرعي للمرابحة رقم (8) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ومنها ضوابط عقد المرابحة التي وضعتها الهيئة الشرعية لبنك البلاد- بنك إسلامي سعودي- وغير ذلك. 

إذا تقرر هذا فإن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وضعت لها ضوابط لا بد من توفرها حتى يكون العقد صحيحاً وهي كما يلي: 

أولاً: يجب أن تكون السلعة مما يجوز التعامل به شرعاً، فلا تجوز المرابحة في المحرمات كالخمور والذبائح المحرمة والخنزير والتماثيل والدخان والأدوات الموسيقية وغيرها، فقد ورد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: قاتل الله اليهود لما حرمت عليهم شحومها جملوه -أذابوه-ثم باعوه وأكلوا ثمنه) رواه البخاري ومسلم. 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه) رواه أبو داود وأحمد، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام 1/192. 

ثانياً: لا يجوز إجراء المرابحة المؤجلة في الذهب أو الفضة أو العملات النقدية، لأن التأجيل لا يجري في بيع عملةٍ بعملةٍ أخرى، وهذا هو عقد الصرف عند الفقهاء، وقد اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من الجانبين في المجلس قبل اقترافهما. قال ابن المنذر:[أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد]المغني 4/192. 

ثالثاً: لا يجوز أن تجري المرابحة في الأجور المنفصلة، كأجور المقاول والعمال المذكورة في السؤال، لأن ذلك يؤول إلى الربا، حيث إن المطلوب دفع الأجور حالاً، واستيفاؤها مؤجلةً مع زيادة، وهذا هو الربا بعينه. 

وأما لو كانت الأجور غير منفكة عن السلعة فلا حرج في ذلك، جاء في ضوابط المرابحة لبنك البلاد ما يلي:[لا يجوز أن تكون سلعة المرابحة أجور خدمات منفصلة-كأجور العمالة والتأمين والنقل-لأنها لا تصح أن تكون مبيعاً، ويجوز ذلك إن كانت أجور الخدمات ضمن قيمة السلعة]. 

رابعاً: يجوز أن تجري المرابحة في الحقوق المعنوية، وهي كل حقٍ لا يتعلق بمالٍ عيني ولا بشيء من منافعه، مثل حق التأليف وحق الاختراع والاسم التجاري ونحوها، لأنها مُقومةٌ شرعاً، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الحقوق المعنوية ما يلي:

أولًا: [الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العُرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموُّل الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.

ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أيٍّ منها بِعِوَض مالي، إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقًّا ماليًّا. 

ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها] مجلة المجمع. 

وورد في ضوابط المرابحة لبنك البلاد: [يجوز أن يكون المبيع الموعود بشرائه حقوقاً معنوية كالاسم التجاري والعلامة التجارية وبراءة الاختراع وغيرها؛ لأن هذه الحقوق يعتد بها شرعاً، ويصح التصرف فيها ونقلها بعوض]. 

خامساً: لا يجوز شرعاً أن تجري المرابحة فيما لا يمكن ضبطه بالتملك الحقيقي، كالبترول المنتقل عبر الأنابيب، والتيار الكهربائي، لأنه لا يتصور ملكية البنك الإسلامي للبترول المنتقل عبر الأنابيب ولا للطاقة الكهربائية ووقوعها في ضمانه ومن ثم بيعها للآمر بالشراء. لأن من شروط صحة البيع أن تكون السلعة مملوكةً ملكيةً تامةً للبائع وأن تكون السلعة في حوزة البائع (البنك) فعلاً أو حكماً. 

وورد في المعيار الشرعي للمرابحة من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما يلي:[يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعة بالمرابحة قبل تملكها لها. فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة، وقبضها حقيقةً أو حكماً بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض...كما يعتبر بيع المرابحة غير صحيحٍ إذا كان عقدُ الشراء الأول باطلاً لا يفيد ملكاً تاماً للمؤسسة...يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء]. 

سادساً: يجوز أن يكون المبيع الموعود بشرائه مرابحة أسهماً في شركة، شريطة أن تنطبق عليها ضوابط الأسهم المباحة.  ضوابط المرابحة لبنك البلاد. 

سابعاً: يجب أن تكون السلعة معلومةً علماً تاماً ومحددة المواصفات،  لدفع أي جهالةٍ ومنع أي نزاعٍ قد يقع بين البنك وبين الآمر بالشراء. 

ثامناً: السلعة محل العقد في المرابحة يجب أن تكون في ضمان البنك، وبالتالي لا يجوز تحميل الآمر بالشراء أي ضمان حتى يتسلمها من البنك البائع، ورد في معيار المرابحة من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما يلي:[لا يجوز تحميل العميل الآمر بالشراء ضمان ما يطرأ على السلعة من أضرار وهلاك خلال فترة الشحن أو التخزين. تاسعاً: لا يجوز أن تكون السلعة محل العقد في المرابحة معيبةً، حتى لو حدث العيبُ بعد شراء البنك للسلعة، إلا إذا بيَّن البائع-البنك- العيب للآمر بالشراء ورضي به، لأن الأصل في المسلم أنه إذا باع سلعةً وكان فيها عيبٌ أن يُبـينه ولا يحل له كتمان العيب، لأن هذا من الغش ومن باب أكل أموال الناس بالباطل كما قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}سورة النساء الآية 29. 

وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم:(مرََّ على صُبرة طعام-كومة- فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال صلى اللّه عليه وسلم: ما هذا يا صاحب الطعام؟قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم:(من غشنا فليس منا). وقد اتفق الفقهاء على ثبوت خيار الرد بالعيب، فمن اشترى سلعةً ثم ظهر فيها عيبٌ وهو لا يعلم، ثبت له خيار الرد بالعيب، سواء علم البائع بالعيب أم لم يعلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ متى علم بالمبيع عيباً لم يكن عالماً به‏، ‏فله الخيار بين الإمساك6 والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، وإثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار بالتصرية-وهي ربط ضرع الناقة أو البقرة أو الشاة حتى يجتمع اللبن فيه-تنبيهٌ على ثبوته بالعيب، ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏أنه اشترى مملوكاً فكتب‏: ‏هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد‏، ‏اشترى منه عبداً أو أمةً لا داء به‏، ‏ولا غائلة بيع المسلم المسلم‏)‏ فثبت أن بيع المسلم اقتضى السلامة، ولأن الأصل السلامة، والعيب حادث أو مخالف للظاهر‏، ‏فعند الإطلاق يحمل عليها فمتى فاتت فات بعض مقتضى العقد فلم يلزمه أخذه بالعوض‏، وكان له الرد وأخذ الثمن كاملاً‏ً] المغني 4/109. 

وخلاصة الأمر أن عقد المرابحة للآمر بالشراء من العقود المباحة، وأن علماء العصر قد وضعوا له شروطاً وضوابط معينة، ومن ضمن ذلك ضوابط السلعة محل المرابحة، بأن تكون مما يحل بيعه، ويجوز أن تجري المرابحة في الحقوق المعنوية وفي الأسهم المباحة، ويجب أن تكون السلعة معلومةً علماً تاماً ومحددة المواصفات، ويجب أن تكون في ضمان البنك، ولا تجري المرابحة المؤجلة في الذهب أو الفضة أو العملات النقدية، ولا يجوز أن تجري المرابحة في الأجور المنفصلة، كأجور المقاول والعمال المذكورة في السؤال، لأنها تؤول إلى الربا المحرم، ولا يجوز شرعاً أن تجري المرابحة فيما لا يمكن ضبطه بالتملك الحقيقي، ولا يجوز أن تكون السلعة محل العقد في المرابحة معيبةً. 

الأسهم عبارة عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة، حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يسمى سهماً، فالسهم هو جزء من رأس مال الشركة، وهو يمثل حق المساهم مقدراً بالنقود لتحديد نصيبه في ربح الشركة أو خسارتها، وكذلك تحديد مسؤولية المساهم في الشركة. ورد في المعيار الشرعي رقم(21) الخاص بالأوراق المالية (الأسهم والسندات):[يمثل السهم حصة شائعة في رأس مال الشركة المساهمة، كما يمثل حصة شائعة في موجوداتها وما يترتب عليها من حقوق عند تحول رأس المال إلى أعيان ومنافع وديون ونحوها، ومحل العقد عند تداول الأسهم هو هذه الحصة الشائعة]المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ص 297. 

والأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خالية من الربا والتعامل المحرم، فالمساهمون فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء، حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصاً في رأس المال، فيشتركون في رأس المال، ويقتسمون الأرباح والخسائر فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة، فيعتبر ذلك إيجاباً وقبولاً؛لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ، بل يصحان بالكتابة. وهؤلاء الشركاء يوكلون مجلس إدارة الشركة بالقيام بالعمل، وهو توكيل صحيح. والقول بتحريم شركة المساهمة قول ضعيف جداً لا يؤيده دليلٌ معتبر. وقد وضع الفقهاء المعاصرون ضوابط شرعية للتعامل بالأسهم سواء كان بشراء أسهم الشركات للاستفادة من ريعها أو كان للمتاجرة بها للاستفادة من فرق السعر بين الشراء والبيع وأهم هذه الضوابط ما يلي: 

أولاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً، كما هو حال البنوك الربوية(التجارية)فهي في الأصل شركات مساهمة تقوم على الإقراض والاقتراض بالربا(الفائدة). 

ثانياً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمباح ويدخل في تعاملها الربا، مثل أن ينص نظامها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا، كما هو واقع كثير من الشركات المساهمة الكبيرة التي تتعامل في مجالات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك. والقول بتحريم الإسهام في هذه الشركات هو القول الراجح من قولي العلماء المعاصرين في هذه المسألة، لأنه لا يجوز للمسلم أن يوقع أي عقدٍ يتضمن شروطاً ربويةً، وهذه الشركات يوجد في نظامها الأساسي بندٌ ينص على أنها تقرض وتقترض بالربا. وينبغي للمسلم أن يحرص على الكسب الحلال ويبتعد عن الكسب الذي فيه شبهة. 

جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما يلي: 

  1. بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمرٌ جائزٌ شرعاً. 2
  2. لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرمٌ، كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها. 
  3. لا يجوز لمسلمٍ شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها رباً، وكان المشتري عالماً بذلك. 
  4. إذا اشترى شخصٌ–أسهماً-وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا، ثم علم فالواجب عليه الخروج منها. والتحريم في ذلك واضحٌ، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا، لأن السهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصةً شائعةً في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابةً عنه، والتوكيل بعملِ المحرم لا يجوز]. 

وورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع ما يلي:[الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات،  كالربا ونحوه،  بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة]. 

ثالثاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات عملها مباح ولكنها تملك أسهماً في البنوك الربوية، لأن من مصادر دخلها ما هو رباً، وتحريم الربا قليلاً كان أو كثيراً قطعيٌ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. 

رابعاً: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمحرمات، كالشركات المنتجة للخمور والدخان وشركات التأمين التجاري وكل ما هو محرم شرعاً كالقمار ونحو ذلك من المحرمات. 

خامساً: لا يجوز تداول أسهم الشركات التي ما زالت في طور التأسيس قبل أن يتحوّل رأس مال الشركة إلى سلع ومعدات وأعيان، فلا يجوز بيع هذه الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية، لأنه حينئذٍ يكون بيع نقودٍ بنقودٍ مع زيادةٍ، وهذا ربا واضح، إلا إذا بِيعت الأسهم بنفس قيمتها الاسمية دون أية زيادة فهذا جائز. 

سادساً: [لا يجوز شراء السهم بقرضٍ ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. 

سابعاً: لا يجوز أيضاً بيع سهمٍ لا يملكه البائع، وإنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم، لأنه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض].

ثامناً: التداول في الأسهم عن طريق ما يسمى البيع على المكشوف والمراد به: [قيام شخصٍ ببيع أسهم لا يملكها، عن طريق اقتراضها من آخرين، مقابل الالتزام بإعادة شرائها، وتسليمها للمقرض، في وقتٍ محدد] وهذا النوع محرم لاشتماله على الربا والغرر. 

جاء في قرار المجمع الفقهي: [إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزةٍ شرعاً؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتماداً على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهيٌ عنه شرعاً، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تبع ما ليس عندك)، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)]. 

إذا تقرر هذا فإنه يجوز شرعاً شراء الأسهم مرابحةً بالضوابط التالية: 

أولاً: أن تنطبق على الأسهم ضوابط الأسهم المباحة المذكورة سابقاً. 

ثانياَ: أن لا تكون الأسهم عبارة عن مبالغ نقدية مكتتب بها، ويشترط وجود أعيانٍ كثيرة في الموجودات التي تمثلها تلك الأسهم، فلا يجوز تداول أسهم الشركات التي ما زالت في طور التأسيس قبل أن يتحوّل رأس مال الشركة إلى سلعٍ ومعداتٍ وأعيان، فلا يجوز بيع هذه الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية، لأنه حينئذٍ يكون بيع نقودٍ بنقودٍ مع زيادةٍ، وهذا رباً واضح. 

ثالثاً: يشترط أن يقبض البنك الإسلامي الأسهم التي اشتراها من أجل بيعها مرابحةً للآمر بالشراء، فلا بد أن تدخل في محفظة البنك المشتري، أي لا بد من نقل ملكية الأسهم فوراً وتسجيلها باسم البنك الإسلامي قبل بيعها للآمر بالشراء، حتى يتحقق القبض الصحيح للأسهم. ولا يجوز أن تنقل الأسهم مباشرة إلى الآمر بالشراء دون أن يقبضها البنك الإسلامي قبضاً حقيقياً أو حكمياً. 

رابعاً: يجب أن يكون العقد المبرم بين البنك الإسلامي والبائع هو عقد البيع والشراء، أما عقود الاختيارات (options) أو عقود المستقبليات (futures) فهي ممنوعةٌ شرعاً، لأنها من القمار المحرم شرعاً. المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ص298-299. 

خامساً: يجوز للبنك الإسلامي الذي يبيع الأسهم مرابحةً أن يحتفظ بالأسهم مرهونة ضماناً لسداد ثمنها الآجل. 

سادساً: لا يشترط لجواز شراء الأسهم مرابحةً أن يكون المقصود اقتناء وتملكها، بل يجوز اتخاذها للمتاجرة بها عند ارتفاع سعرها، ورد في المعيار الشرعي رقم (21) الخاص بالأوراق المالية (الأسهم والسندات): [يجوز شراء أسهم الشركات المساهمة وبيعها حالاً أو آجلاً فيما يجوز فيه التأجيل إذا كان غرض ونشاط الشركة مباحاً، سواء أكان استثماراً (أي اقتناء السهم بقصد ربحه) أم متاجرةً (أي بقصد الاستفادة من فروق الأسعار)] المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ص 297.  

سابعاً: مراعاة الضوابط الشرعية لبيع المرابحة للآمر بالشراء كما في المعيار الشرعي رقم (8) من المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية. 

وخلاصة الأمر أن السهم يُمثل حصةً شائعةً في رأس مال الشركة المساهمة، كما يُمثل حصةً شائعةً في موجوداتها وما يترتب عليها من حقوقٍ عند تحول رأس المال إلى أعيان ومنافع وديون ونحوها، والأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خالية من الربا والتعامل المحرم، وأنه يجوز التعامل بالأسهم وفق الأسس المقررة شرعاً، ويجوز شراء الأسهم مرابحةً وفق الضوابط الشرعية المذكورة أعلاه. 

الأصل المقرر عند جمهور الفقهاء أن معلومية ثمن المبيع عند التعاقد ركنٌ من أركان عقد البيع، ولا يصح البيع بدون تسمية الثمن، وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة. ولا يقول الحنفية بركنية تسمية الثمن، لأن ركن البيع عندهم الإيجاب والقبول، ولكنهم يقولون بلزوم تسمية الثمن، فإن لم يسم الثمن يفسد العقد، بناءً على أصل الحنفية في التفريق بين الباطل والفاسد، حيث إن الحنفية يفرقون بينهما في المعاملات، فالباطل عندهم ما كان الخلل فيه واقعاً في أصل العقد، والفاسد ما كان الخلل فيه واقعاً في صفة العقد. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية9/10. 

قال الكاساني الحنفي:[لأنه إذا لم يعلم رأس ماله كان ثمنه مجهولاً، وجهالة الثمن تمنع صحة البيع]بدائع الصنائع11/165. وقال الحصكفي الحنفي:[وشرط لصحته-البيع- معرفة قدر مبيعٍ وثمن] حاشية ابن عابدين 4/529. 

وجاء في المادة (237) من مجلة الأحكام العدلية:[تسمية الثمن حين البيع لازمة فلو باع بدون تسمية ثمن كان البيع فاسداً] وجاء في المادة (238) وشرحها من مجلة الأحكام العدلية:[يلزم أن يكون الثمن معلوماً والعلم بالثمن (1) العلم بقدره (2) العلم بوصفه صراحةً أو عرفاً...وكل ذلك لازم لئلا يفسد البيع، فإن الجهل بالثمن مؤدٍ إلى النزاع فإذا كان الثمن مجهولاً فالبيع فاسد]شرح درر الحكام1/217-218. 

وقال ابن رشد الجد:[...لما صح النكاح دون تسمية، كالبيع الذي لا ينعقد إلا بتسمية الثمن] المقدمات2/30. 

وقال الدسوقي:[فلا بد من كون الثمن والمثمن معلومين للبائع والمشتري وإلا فسد البيع]حاشية الدسوقي على الشرح الكبير11/1. 

وقال أبو إسحق الشيرازي:[ولا يجوز إلا بثمنٍ معلوم القدر، فإن باع بثمنٍ مجهولٍ كبيع السلعة برقمها وبيع السلعة بما باع فلان سلعته وهما لا يعلمان ذلك فالبيع باطل، لأنه عوض فلم يجز مع الجهل بقدره كالمسلم فيه] المجموع 9/332. 

وقال الإمام النووي:[يشترط في صحة البيع أن يذكر الثمن في حال العقد فيقول: بعتكه بكذا، فإن قال: بعتك هذا واقتصر على هذا فقال المخاطب: اشتريت أو قبلت لم يكن هذا بيعـاً بلا خلاف ولا يحصل به الملك للقابل على المذهب وبه قطع الجمهور...] المجموع9/171. 

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[لأن العلم بالثمن شرطٌ لصحة البيع فلا يثبت بدونه]المغني 4/144. وذكر المرداوي الحنبلي من شروط صحة البيع:[أن يكون الثمن معلوماً...يشترط معرفة الثمن حال العقد على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب] الإنصاف4/309. 

ولما كان الربح في بيع المرابحة هو بعض الثمن فلا بد أن يكون معلوماً أيضاً، وقد نص الفقهاء على ذلك قديماً وحديثاً، فمن شروط صحة بيع المرابحة عند الفقهاء أن يكون الثمن معلوماً، وأن يكون الربح معلوماً، لأن المرابحة من بيوع الأمانات التي يشترط فيها الإخبار عن ثمن السلعة وتكلفتها التي قامت على البائع وبيان مقدار الربح. قال السرخسي:[لأن بيع المرابحة والتولية بيعٌ بمثلِ الثمن الأول، وزيادةُ ربحٍ مسمَّى في عقد المرابحة] المبسوط 25/393. 

وقال الكاساني الحنفي:[أن يكون الربح معلوماً، لأنه بعض الثمن والعلم بالثمن شرطُ صحة البياعات] بدائع الصنائع 11/428، وورد في الفتاوى الهندية:[المرابحة بيعٌ بمثلِ الثمن الأول وزيادة ربح] الفتاوى الهندية 22/120، وقال علي حيدر:[بيع المرابحة هو البيع الذي يقع بعد بيان البائع ثمن المبيع الذي اشتراه به على ربحٍ معلومٍ زيادةً على ذلك الثمن، وذلك كأن يقول البائع للمشتري: قد كلفني هذا المال مائة قرشٍ فأبيعه لك بمائة وعشرة قروش] درر الحكام 1/215.  وقال أيضاً:[يشترط في المرابحة أن يكون الربح معلوماً فإذا كان الربح مجهولاً، لا تصح المرابحة]درر الحكام 2/285. 

وقال الحافظ ابن عبد البر:[البيع جائزٌ مساومةً ومرابحةُ، فأما المرابحة فإنه يجوز بيع المرابحة على ربحٍ معلومٍ بعد أن يعرف رأس المال ويبلغه] الكافي. وقال الدردير:[المرابحة وهو بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به وزيادة ربحٍ معلوم لهما]الشرح الكبير 3/159. 

وقال الزرقاني:[بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به، وزيادة ربحٍ معلومٍ يتفقان عليه]شرح الزرقاني على مختصر خليل 3/173. وقال الخطيب الشربيني:[ويصح بيع المرابحة من غير كراهة لعموم قوله تعالى:{وأحل الله البيع}بأن يشتري شيئاً بمائة مثلاً ثم يقول لغيره وهما عالمان بذلك بعتك بمائتين أو بما اشتريت أي بمثله أو برأس المال أو بما قام عليَّ أو نحو ذلك وربح درهم لكل عشرة] مغني المحتاج 7/71. 

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[معنى بيع المرابحة هو البيع برأس المال وربحٍ معلومٍ ويشترط علمهما- البائع والمشتري-برأس المال فيقول رأس مالي فيه أو هو عليَّ بمائة، بعتك بها وربح عشرة، فهذا جائز لا خلاف في صحته ولا نعلم فيه عند أحد كراهة] المغني 4/280. 

وهذا ما قررته المجامع الفقهية والمؤسسات التي تعنى بشؤون المصارف الإسلامية، فقد جاء في المعيار الشرعي رقم 8 من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين المتعلق بالمرابحة ما يلي:[يجب أن يكون كل من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حالٍ أن يترك تحديد الثمن أو الربح لمتغيرات مجهولة أو قابلة للتحديد في المستقبل؛وذلك مثل أن يعقد البيع ويجعل الربح معتمداً على مستوى الليبور الذي سيقع في المستقبل. ولا مانع من ذكر مؤشر من المؤشرات المعروفة في مرحلة الوعد للاستئناس به في تحديد نسبة الربح، على أن يتم تحديد الربح في عقد المرابحة للآمر بالشراء على أساس نسبةٍ معلومةٍ من التكلفة ولا يبقى الربح مرتبطاً بالليبور أو بالزمن]. 

وجاء في الضوابط الشرعية لهيئة الرقابة الشرعية لبنك البلاد السعودي -مصرف إسلامي- ما يلي:[للبنك أن يُفصح عن ثمن السلعة، وربحها في بيع المرابحة للآمر بالشراء على أن يكون الثمن الإجمالي للسلعة محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حالٍ أن يربط تحديد الثمن أو الربح بأمر مستقبلي مثل مؤشر الليبور (libor) أو السيبور (sibor) ]. 

إذا تقرر هذا فإن بيع المرابحة بربح متغير[إذا كان المقصود به أن يتم توزيع الربح على الأقساط في سجلات البنك فهذه مسألة تعود للبنك ولا ضير أن يوزعها كيفما يشاء طالما أن المدين يعلم مقدار ربح البنك ومقدار التكلفة بالمجمل وتوزيع الربح على الأقساط لا يدخل في باب تغير التكلفة] www. kantakji. com .

وأما إذا كان المقصود به، عدم تحديد الربح وربطه بأحد المؤشرات، أو ربطه بسعر السوق وقت السداد، أو ربطه بمتوسط أرباح المصارف الإسلامية وقت السداد، فكل ذلك لا يجوز، بل هو باطل لاشتماله على الجهالة المبطلة لعقد المرابحة، وقد يشتمل على الربا أيضاً، لأنه يحتمل زيادة الدين الذي استقر في ذمة المشتري عند السداد، [والذي يتضح من هذه الصورة أنها مرابحة بثمن معلوم وربح مجهول يعتبر ديناً في الذمة مربوط بمؤشر يُعلم عند سداد القسط، وهذا الدين تصاحبه زيادة فهو في معنى الربا وإن لم يكن هناك أجلٌ في مقابلة تلك الزيادة] مقدمة بحث أهم الحلول للعائد المتغير للدكتور العياشي فداد. 

ومن المعلوم أن الدين إذا استقر في الذمة، فكل زيادة تطرأ عليه تكون رباً. وكذلك فإن فيه غرراً لأن الثمن مجهول عند العقد فلا يدري المشتري مقدار المبلغ الذي سيدفعه عند السداد، فهو من بيوع الغرر. 

وفي الحقيقة فإن المرابحة بربحٍ متغير إنما هي تقليد لما هو معروف في النظام الرأسمالي من القروض المتغيرة في نسبة الفائدة، كما أن طريقة احتساب الربح المتغير هي ذاتها في الفائدة المركبة، وهذا يبين أن منزع الصيغتين واحد، وهو أن إجمالي الدين في ذمة المدين غير محدد وليس له سقف بل يقبل الزيادة والتغير حسب الأسواق المالية. 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ وأما إذا كان السعر لم ينقطع بعد ولكن ينقطع فيما بعد ويجوز اختلاف قدره فهذه قد منع منه-الإمام أحمد-لأنه ليس وقت البيع ثمن مقدر في نفس الأمر والأسعار تختلف باختلاف الأزمنة فقد يكون سعره فيما بعد العقد أكثر مما كان وقت العقد، فأما إذا باعه بقيمته وقت العقد فهذا الذي نص أحمد على جوازه]انظر المرابحة بربحٍ متغير للسويلم. [والمرابحة بربحٍ متغيرٍ ما هي إلا تكييفٌ ربوي لعلاقة شهيرة في أسواق الربا وليس لها أدنى علاقة بنسب الربح الشرعية، لأنها مبهمة ومجهولة تماماً، مما يجعل المرابحة المبنية عليها غير صحيحة بالمرة] www. kantakji. com.

وخلاصة الأمر أن المرابحة من بيوع الأمانات التي يشترط فيها الإخبار عن ثمن السلعة وتكلفتها التي قامت على البائع وبيان مقدار الربح، وأن معلومية ثمن المبيع عند التعاقد ركنٌ من أركان عقد البيع، ولا يصح البيع بدون تسمية الثمن ويجب أن يكون كل من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محدداً ومعلوماً للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. 

ولا يجوز بأي حالٍ أن يُترك تحديد الثمن أو الربح لمتغيراتٍ مجهولةٍ أو قابلةٍ للتحديد في المستقبل، وإذا كان المقصود بالمرابحة بربحٍ متغيرٍ أن يتم توزيع الربح على الأقساط في سجلات البنك بعد الاتفاق على الثمن والربح، فهذا جائزٌ ولا بأس به. وأما إذا كان المقصود به عدم تحديد الربح وربطه بأحد المؤشرات، أو ربطه بسعر السوق وقت السداد، أو ربطه بمتوسط أرباح المصارف الإسلامية وقت السداد، فكل ذلك لا يجوز، بل هو باطل لاشتماله على الجهالة والربا والغرر.  والمرابحة بربحٍ متغيرٍ ما هي إلا استنساخٌ للقروض الربوية المتغيرة في نسبة الفائدة. 

أولاً: عقد التأمين على الحياة التجاري أو التقليدي، هو عقد معاوضة، يلتزم فيه المؤمن – شركة التأمين التجاري- بأن يدفع للمستأمن أو إلى المستفيد الذي يُعينه المستأمن مبلغاً متفقاً عليه مسبقاً، عند وقوع الوفاة، أو عند بلوغ المستأمن سناً معينة، أو غير ذلك، وذلك مقابل أقساطٍ دوريةٍ يدفعها المسـتأمن.

والتأمين التجاري التقليدي، عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ هدفهُ الربحُ من أقساط التأمين، وتُطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يُؤثر فيها الغرر. 

وحكمُ التأمين التقليدي أنه عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد، ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ، وهو محرمٌ شرعاً عند أكثر العلماء المعاصرين، وصدرت قراراتٌ شرعيةٌ بتحريمه عن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وعن هيئة كبار العلماء السعودية، وعن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وغيرها. والغرر هو المجهول العاقبة أي ما خفيت عاقبته، وطُويت مغبته، وانطوى أمرُهُ، والغررُ منهيٌ عنه شرعاً، لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:(نهى رسولُ الله صلى عليه وسلم عن بيع الغرر) رواه مسلم. 

قال الباجي المالكي:[نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فسادَه، ومعنى بيع الغرر – والها أعلم – ما كثرُ فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يُوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه] المنتقى 5/41.

ولا شك أن البديل عن التأمين التجاري هو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، لموافقته لأحكام الشرع، وهذا ما اتفق عليه علماء العصر، وأقرته الهيئاتُ العلمية المعتبرة، والمجامع الفقهية، وهيئات الرقابة الشرعية في شركات التأمين الإسلامي، وغيرها، ومن ذلك قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي سنة 1406هـ/1985م وجاء فيه ما يلي:[

  • إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسدٌ للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعاً. 
  • إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقدُ التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني. 
  • دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة ] مجلة المجمع عدد2، ج2/731.

وينبغي أن يُعلم أن التأمين على الحياة، هو جزءٌ من التأمين التجاري، وله صورٌ عديدةٌ وفق ما تتعامل به شركات التأمين التجاري،وقد اتفق العلماء والجهات العلمية التي سبق ذكرها على تحريمه ما دام أن الجهات المنظمة له هي شركات التأمين التجاري.

ثانياً: التأمين الإسلامي هو اتفاق أشخاصٍ يتعرضون لأخطارٍ معينةٍ على تلافي الأضرار الناشئة عن هذه الأخطار، وذلك بدفع اشتراكاتٍ على أساس الالتزام بالتبرع، ويتكون من ذلك صندوقُ تأمينٍ له حكم الشخصية الاعتبارية، وله ذمةٌ ماليةٌ مستقلةٌ، صندوقٌ يتم منه التعويض عن الأضرار التي تلحق أحدَ المشتركين من جراء وقوع الأخطار المؤَمَّن منها، وذلك طبقاً للوائح والوثائق. ويتولى إدارة هذا الصندوق هيئةٌ مختارةٌ من حملة الوثائق، أو تديره شركةٌ مساهمةٌ بأجرٍ تقوم بإدارة أعمال التأمين واستثمار موجودات الصندوق. 

وأما التأمين التقليدي فهو عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ يستهدف الربح من التأمين نفسه، وتطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يؤثر فيها الغرر. كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436. 

ثالثاً: حكم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هو الجواز وفقاً للضوابط الشرعية، وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر، وعددٌ من المجامع الفقهية، والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ، كالمجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية، والمؤتمر الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1396هـ، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وغيرها. 

[والتكييف الفقهي للتأمين الإسلامي يقوم على أساس الالتزام بالتبرع من المشتركين لمصلحتهم، وحماية مجموعهم، بدفع اشتراكاتٍ يتكون منها صندوق التأمين، الذي تديره هيئة مختارة من حملة الوثائق، أو تديره الشركة المساهمة المرخص لها بممارسة خدمات التأمين، على أساس الوكالة بأجر، وتقوم الهيئة المختارة من حملة الوثائق أو الشركة باستثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار. وتختصُ الشركة المساهمة المديرة للتأمين برأس مالها وعوائده، والأجر الذي تأخذه عن الوكالة، ونسبتها المحددة من الربح المحقق عن استثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة، أو الأجر المحدد على أساس الوكالة بالاستثمار، وتتحمل الشركة جميع مصروفاتها الخاصة بأعمالها، ومن تلك المصروفات مصروفات استثمار موجودات التأمين. ويختصُ صندوقُ حملة الوثائق بالاشتراكات وعوائدها، وما يتمُّ تكوينُه من مخصصاتٍ واحتياطاتٍ متعلقةٍ بالتأمين وبالفائض التأميني، ويتحملون جميع المصروفات المباشرة المتعلقة بإدارة عمليات التأمين. 

وفي التأمين الإسلامي ثلاثُ علاقاتٍ تعاقدية:

  • علاقة المشاركة بين المساهمين التي تتكون بها الشركة من خلال النظام الأساسي وما يتصل به، وهي عقدُ المشاركة إذا كانت تديره الشركة. 
  • العلاقة بين الشركة وبين صندوق حملة الوثائق، وهي علاقة الوكالة من حيث الإدارة، أما من حيث الاستثمار فهي علاقة مضاربة، أو وكالة بالاستثمار.
  • العلاقة بين حملة الوثائق وبين الصندوق عند الاشتراك، هي علاقة التزام بالتبرع، والعلاقة بين المستفيد وبين الصندوق عند التعويض، هي علاقة التزام الصندوق بتغطية الضرر حسب الوثائق واللوائح.

ويقوم التأمين الإسلامي على المبادئ والأسس الشرعية الآتية التي يجب أن يُنَص عليها في النظام الأساسي للشركة، أو في اللوائح، أو في الوثائق:

  1. الالتزام بالتبرع: حيث يُنص على أن المشترك يتبرع بالاشتراك وعوائده لحساب التأمين لدفع التعويضات، وقد يلتزم بتحمل ما قد يقع من عجزٍ حسب اللوائح المعتمدة. 
  2. قيامُ الشركة المنظمة للتأمين بإنشاء حسابين منفصلين، أحدهما خاصٌ بالشركة نفسها: حقوقها والتزاماتها، والآخر خاصٌ بصندوق (حملة الوثائق) حقوقهم والتزاماتهم.
  3. الشركةُ وكيلةٌ في إدارة حساب التأمين، ومضاربةٌ أو وكيلةٌ في استثمار موجودات التأمين. 
  4. يختص حساب التأمين بموجودات التأمين وعوائد استثماراتها، كما أنه يتحمل التزاماتها.
  5. يجوز أن تشتمل اللوائح المعتمدة على التصرف في الفائض بما فيه المصلحة حسب اللوائح المعتمدة مثل تكوين الاحتياطيات، أو تخفيض الاشتراكات، أو التبرع به لجهاتٍ خيرية، أو توزيعه أو جزءٍ منه على المشتركين، على أن لا تستحق الشركة المديرة شيئاً من ذلك الفائض. 
  6. صرفُ جميع المخصصات المتعلقة بالتأمين، والفوائض المتراكمة في وجوه الخير عند تصفية الشركة. 
  7. أفضلية مشاركة حملة الوثائق في إدارة عمليات التأمين من خلال إيجاد صيغة قانونية مناسبة لممارسة حقهم في الرقابة، وحماية مصالحهم، مثل تمثيلهم في مجلس الإدارة. 
  8. التزام الشركة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كل أنشطتها واستثماراتها، وبخاصة عدم التأمين على المحرمات، أو على أغراض محرمة شرعاً. 
  9. تعيينُ هيئة رقابةٍ شرعيةٍ تكون فتاواها ملزمةً للشركة، ووجود إدارة رقابة وتدقيق شرعي داخلي] انظر المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436-437. 

خامساً: التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني نوعان: أولهما: تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار، كالتأمين ضد حوادث السيارات وضد السرقة والحريق وغيرها. وثانيهما: تأمينٌ على الأشخاص، ويُقصد به التأمين ضد الأخطار التي تصيب الفردَ أو الشخصَ أو تهدد حياته أو تهدد أمن أسرته أو عائلته، ومحل عقد التأمين فيه هو الشخص أو العائلة، وهو من العقود طويلة الأجل غالباً، ويهدف إلى مساعدة المشترك على الحصول على عائدٍ كبيرٍ في المستقبل، ويدخل في هذا النوع التأمينات الاجتماعية والتأمين التكافلي العائلي.

والتأمينات الاجتماعية تفرضها الدولةُ غالباً وتشرفُ عليها لصالح العاملين داخل الدولة ضد أخطار معينة: كالموت، والهرم، والعجز عن العمل التي يتعرض لها العاملون، وليس هذا محل بحثه.

وأما التأمين التكافلي العائلي فيقصدُ به تأمينُ الفرد أو العائلة من الأخطار التي تهدد حياته في جميع ما يتعلق بشئون حياته أو سلامة جسمه أو صحته أو شيخوخته، وهذا النوع من التأمين لا يقوم على التعويض عن الضرر الفعلي كما هو الحال في التأمين على الأشياء، لأنه يغطي الأضرار المعنوية المتوقعة، وهي غير محددةٍ، ويحدث بعضُها في المستقبل. انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي www.drsartawi.com/2014/09/blog-post_78.html

ويدخل تحته التأمين العائلي التكافلي، وهو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري، وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله، وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، وبيان ذلك فيما يلي: 

  1. يقوم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني على مبدأ التعاون والتكافل، وهو مبدأٌ شرعيٌ أصيلٌ قامت عليه عشراتُ الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة المائدة الآية 2، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:(إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم- في ثوبٍ واحدٍ ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) رواه البخاري ومسلم. ومعنى أرملوا، أي فنيَ طعامُهم أو قارب. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه إلى يوم القيامة، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج اللهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة) رواه مسلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:(مَثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم.وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:(المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضَاً) رواه مسلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:(واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص
  2. إن التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من عقود التبرع التي يُقصد بها أصالةً التعاون على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني تأخذ صفة التبرع، وهو تبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله. وعلى هذا يكون العضو ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها، وبعوائد استثمار هذه الأقساط، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم. كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قَبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين، أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقاً لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملةً، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات... ولا مانع أن يُحقق التأمين التعاوني أرباحاً من خلال استثمار الأرصدة المجتمعة لديه استثماراً مشروعاً، والممنوع هو أن تكون الغاية المعاوضة والاسترباح، لا مجرد تحقيق الأرباح] التأمين التعاوني الإسلامي، د. صالح بن حميد، عن الإنترنت.
  3. تخلو عقود التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، فعقود المساهمين ليست ربويةً، ولا يُستغلُ ما جُمع من الأقساط في معاملاتٍ ربويةٍ، بل في معاملاتٍ جائزةٍ شرعاً، بل يجب أن يَنُص نظامُ شركات التأمين التكافلي على عدم التعامل بالربا. التأمين الإسلامي د. علي القرة داغي، ص 210.
  4. التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني يعتمد على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمورٍ مشروعةٍ تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة، ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين، وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حقٌ للمشتركين، وتقوم شركة التأمين الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم.
  5. الفائضُ في التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، يعود إلى مجموع المؤمنين، ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين الإسلامي تأخذ حصةً من الفائض، إما باعتبارها وكيلةً بأجرٍ أو باعتبارها مضارباً. 
  6. تحتفظ شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني بحسابين منفصلين، أحدُهما لاستثمار رأس المال، والآخر لحسابات أموال التأمين.
  7. شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هي شركاتُ خدماتٍ، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابةً عن هيئة المشتركين، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقةُ معاوضةٍ، فهي الأمينة على أموال التأمين، وتقوم بالإدارة نيابة عن هيئة المشتركين، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغٌ مقطوعٌ، أو نسبةٌ من الأقساط التي تجمعها، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً، أو نسبةٌ معلومةٌ من عائد الاستثمار باعتبارها مضارباً، أو هما معاً] التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد. 
  8. تخضع جميع أعمال شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني للتدقيق من هيئة رقابةٍ شرعيةٍ للنظر في مدى توافقها مع الأحكام الشرعية.

وأما بخصوص التأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري، فقد ناقشته عدةُ هيئاتٍ علميةٍ شرعيةٍ، وأقرت العملَ به وفق ضوابط شرعية، ومن ذلك ما صدر عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي سنة 1413هـ 1993م حيث ناقشت حكم التأمين على الحياة وأساس الفكرة ونحوهما وصدرت منها بعض الفتاوى والتوصيات المهمة ومنها:[التأمين على الحياة:إن التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً، لاشتماله على الغرر الكثير والربا والجهالة. لا مانع شرعاً من التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني (التكافل) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساطٍ غير مرتجعة وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين. والمبدأ الذي يقوم عليه لا يتعارض معه نصوص الشريعة وقواعدها العامة].

ومن ذلك أيضاً ما ورد في المعيار الشرعي رقم (26) المتعلق بالتأمين الإسلامي الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حيث وضع له ضوابط شرعية معينة.انظر كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436. 

وللتأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري عدة صورٍ منها:

  1. التأمين العُمْري لصالح الورثة جميعاً،بدفع رواتب شهرية وسنوية لهم ما داموا أحياء بعد موت دافع الأقساط.
  2. التأمين لصالح الورثة جميعاً، بدفع رواتب لهم لمدة معينة كعشر سنوات -إن عاشوا - بعد موت دافع الأقساط. 
  3. التأمين لصالح الورثة جميعاً، بدفع المحدد المتفق عليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط.
  4. التأمين لصالح أحد الورثة - مع مبرر مشروع للتخصيص- بدفع رواتب له ما دام حياً بعد موت دافع الأقساط.
  5. التأمين لصالح أحد الورثة بدفع رواتب له لمدة محددة كعشر سنوات إن عاش بعد موت دافع الأقساط هذه المدة أو بقدرها. 
  6. التأمين لصالح أحد الورثة بدفع مبلغ التأمين إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط.
  7. التأمين لصالح الأجنبي بدفع رواتب له مدة حياته بعد موت دافع الأقساط.
  8. التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع رواتب له لمدة عشر سنوات مثلاً إن عاش بعد موت دافع الأقساط. 
  9. التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط مباشرةً إن كان حياً].

سادساً: [هنالك بعض أوجه الاختلاف بين التأمين التكافلي العائلي والتأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء كالتأمين على السيارات مثلاً وهي:

  1. التعويض في التأمين على الأشياء يكون عن الضرر الفعلي، ومن المعلوم أن تعويض الضرر يكون بإيجاب المثل، فإن تعذر المثلُ فيكون تعويضه بالقيمة، وهذا يمكن تطبيقه على التأمين التعاوني على الأشياء، حيث يمكن معرفة الضرر الفعلي الذي وقع على الأشياء محل التأمين ويمكن تعويضه بالمثل أو القيمة، في حين أن الضرر الناتج عن فقد النفس أو تلف العضو أو العجز الكلي أو العجز الجزئي يتعذر تعويضه بالمثل أو بالقيمة.
  2. إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء هو ضررٌ ماديٌ يمكن ملاحظته وتقديره، وأما الضررُ في التأمين التكافلي العائلي فهو ضررٌ معنوي يتعذر تقديره.
  3. إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء يخضع للإثبات، ويشترط لاستحقاق التعويض فيه إثباته بكافة وسائل الإثبات، وأما الضرر في التأمين التكافلي العائلي - التأمين على الأشخاص - لا يخضع للإثبات، فهو مفترضٌ افتراضاً، ولا يقبل إثبات العكس، فورثة المشترك أو من نُصَّ عليهم في وثيقة التأمين يستحقون مبلغ التأمين دون حاجةٍ إلى إثبات أن ضرراً ما قد أصابهم من جراء موت المشترك بالتأمين.
  4. إن مبلغ التأمين في التأمين التكافلي العائلي - التأمين على الأشخاص - يُدفع لهم معونةً وجبراً لمن أصيبوا بموت عائلهم، أو لإغاثة من أصيب بعجزٍ كلي أو عجزٍ جزئي، وليس على سبيل التعويض عن ضررٍ كما سبق بيان ذلك، ولهذا يسمي بعض العلماء التأمين التكافلي العائلي - عقد المواساة -. فعقد التأمين التكافلي العائلي – المواساة - لا يُقصد منه الكسب أو الاسترباح، وإنما يُقصد به ترميم آثار مصيبة الموت أو عجزٍ على أساسٍ من التعاون والتكافل، فالحياةُ بيد واهبها، وعليه فإن مستحق التأمين –المستفيد - ليس له طلبُ زيادة المبلغ، حتى لو أثبت أن الضررَ الذي أصابه أكبرُ من مبلغ التأمين، وهذا يعني أن التأمين في هذا العقد ليس له صفة تعويضية، بخلاف التأمين على الأشياء، فإن صفته الأساسية هي التعويض وليس الجبر والمواساة.
  5. إن الأقساط المحددة في وثيقة التأمين التكافلي العائلي يمكن إسقاطُها أو التنازلُ عنها أو قيامُ هيئة المشتركين بدفعها نيابةً عن المشترك في حالاتٍ خاصةٍ يُنص عليها في نظام التأمين أو وثيقة التأمين، كحالات الموت أو العجز أو المرض وبلوغ سن معينة أو تحمل أعباء غير عادية. أما أقساط التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء فهي مستحقة وفق العقد.
  6. إن مما هو مقررٌ ومتفقٌ عليه عند العلماء القائلين بالتأمين التكافلي العائلي أن قسط التأمين هو تبرعٌ محضٌ، وعليه فإنه لا يرجع على المشترك فيه أيُ عائدٍ من الفائض التأميني،بينما يُوزع الفائض التأميني في التأمين التعاوني على الأشياء على المشتركين] انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي www.drsartawi.com.

ثامناً: يظن بعضُ الناس أن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر، وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل، وهذا الظنُّ غيرُ صحيحٍ، قال د. علي القره داغي:[هل يصطدم التأمين على الحياة مع العقيدة؟

ونحن هنا نتحدث بإيجازٍ شديدٍ عن أصل فكرة التأمين على الحياة، وأنه لا يصطدم مع العقيدة أو التوكل على الله، لأنه من الطبيعي بل من الفطرة السليمة أن يبحث الإنسان بعد التوكل على الله تعالى عن مستقبل أولاده وورثته ويسعى جاهداً في أن يتركهم أغنياء متعففين لا فقراء متسولين، وفي الأخذ بكل الأسباب التي توفر الحماية لهم من شرور العوز والفاقة والحاجة. وهذا ما أرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه سعد بن أبي وقاص الموافقة على أن يتبرع بجميع أمواله، فلم يقبل حتى وصل إلى الثلث فقال:(الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أَن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس ما في أيديهم) رواه البخاري ومسلم.

وكذلك تفكير الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه في الأجيال اللاحقة وتضمين مستقبلهم من خلال ترتيب موردٍ ماليٍ مستمرٍ، حيث لم يقسم الأراضي المفتوحة في العراق والشام على المجاهدين، وإنما أبقاها في أيدي أهلها، ولكنه فرض عليهم خراجاً ليكون مصدراً دائماً لدخل بيت مال المسلمين وقد اعتمد في ذلك على قول الله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}سورة الحشر الآية 10، حيث جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:{وَمَا أَفَاء اللَّهُ...}سورة الحشر الآية 6 حيث قسم الله تعالى الفيءَ على المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد قال عمر رضي الله عنه:(والله لا يُفتح بعدي بلدٌ فيكون فيه كبيرُ نَيلٍ، بل عسى أن يكون كلاًّ على المسلمين فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام، فما يُسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره) كتاب الخراج لأبي يوسف ص 24-25. 

إذن تبين لنا أن التفكير في مستقبل الأولاد والسعي لتحقيق رواتب التعاقد لهم، أو ترتيب شيء من الحماية والضمان من خلال التأمين التكافلي كل ذلك جزءٌ من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله تعالى بها، وأنه من قدر الله، كما أن الموت من قدر الله، وبالتالي فليس فيه ما يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر، وإنما المهم هو أن تكون تلك العقود والوثائق المنتظمة لهذه العملية مشروعةً، لا تتعارض مع النصوص الشرعية والمبادئ العامة للدين الحنيف الذي جعل الله من أهم دعائمه التعاون على البر والتقوى] www.qaradaghi.com بتصرف.

تاسعاً: [إن الهدف الأساسي للتأمين التكافلي هو تجنب محظورات التأمين التجاري، وفي نفس الوقت الوصول إلى صيغٍ تكون فيها خدمة المؤَمّنين مساوية لشركات التأمين التجاري أو أفضل منها من بعض الوجوه، وبخاصة إذا كانت شركة المضاربة لها نشاطٌ تجاريٌ غير التأمين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك. ويتميز التأمين التكافلي أساساً بأن الاشتراكات أو الأقساط التي يدفعها المؤمَّن لهم قد تكون متغيرة حسب نتائج أعمال كل سنة، فللهيئة الحقُ في مطالبة أعضائها بأنصبتهم في العجز في الاشتراكات المحصلة عن التعويضات والمصروفات الفعلية، كما أن للأعضاء الحق في استرداد الفائض إن وجد. وقد يكون ذلك من حيث المبدأ فقط بدفع نسبةٍ مقدرةٍ فقط تمثل الحدَّ الأقصى المقدر للاشتراك، أو أن يتم دفع اشتراكٍ ثابتٍ فعلاً، لتتماشى والطريقة المثلى في الشرع، إلا أنهم في الواقع وفي الغالب إنما يدفعون قسطاً ثابتاً] التأمين التعاوني والتأمين التجاري www.binbayyah.net/portal/research/139

وخلاصة الأمر أن التأمين التقليدي عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد، ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، وأيضاً لاشتماله على شروطٍ باطلةٍ. والتأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني جائزٌ وفقاً للضوابط الشرعية، وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر، وعددٌ من المجامع الفقهية، والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ.

 والتأمين الإسلامي نوعان: تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار وتأمينٌ على الأشخاص وهذا التأمين هو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري، وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله، وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني وأن الظن بأن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر، وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل، ظنُّ غيرُ صحيحٍ.

لا شك أنه مع مرور الأيام تثبت المصارف الإسلامية فاعليتها، وتحقق نسبة نموٍ عالية بالرغم من العقبات الكثيرة في طريقها، ومع مرور الأيام أيضاً تزداد ثقة الناس بالمصارف الإسلامية وبصحة معاملاتها، مع وجود المشككين في المصارف الإسلامية، والطابع العام لأغلب هؤلاء المشككين قلة معرفتهم بنظام المعاملات في الشريعة الإسلامية، وجهلهم بطبيعة المعاملات التي تتم في المصارف الإسلامية، فبعضهم ما زال ينعق بنفي فكرة المصرفية الإسلامية من أساسها!! وبعضهم يزعم أنه لا فرق بين الصارف الإسلامية والبنوك الربوية، بل يسوي بينهما، وهذا ظلم شنيع بلا ريب! إن المصارف الإسلامية قدمت البديل الشرعي للبنوك الربوية إلى حدٍ كبير، وأحيت فقه المعاملات الإسلامية، ولا أزعم أن المصارف الإسلامية قد حققت أهدافها وما يرتجى منها، ولكنها تسير على الدرب الصحيح متجهة إلى الهدف المنشود، مع وجود أخطاءٍ وخللٍ في المسيرة، ومن المعلوم أن الذي يعمل لا بد أن يخطئ، وأما من يحلم بالعمل فلا يخطئ لأنه نائم! إذا تقرر هذا فإن من المعاملات التي تنفذها المصارف الإسلامية "السَّلم الموازي"،  ولا بد أولاً أن أبين حقيقة عقد السلم في الفقه الإسلامي،  فالسلم في الاصطلاح عبارة عن"بيع موصوفٍ في الذمة ببدل يُعطى عاجلاً" الموسوعة الفقهية الكويتية25/191، ومثال ذلك أن يبيع المزارع ألف كيلوغرام من الزيتون بسعر خمسة آلاف شيكل يقبضها عند العقد على أن يسلم كمية الزيتون بعد ثلاثة أشهر مثلاً، وعقد السلم مشروع باتفاق العلماء، وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم. قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}سورة البقرة الآية 282. قال ابن عباس رضي الله عنه:(هذه الآية نزلت في السلَّم خاصة)تفسير القرطبي 3/377. 

وقال ابن عباس رضي الله عنه أيضاً:(أشهد أن السلف المضمون إلى أجلٍ مسمىً قد أحلَّه اللهُ في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}. قال العلامة الألباني:[صحيح. أخرجه الشافعي والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين] إرواء الغليل5/213. ووجه الدلالة في الآية الكريمة: أنها أباحت الدَّين، والسَّلم نوع من الديون، قال ابن العربي المالكي:[حقيقة الدَّين هو عبارةٌ عن كل معاملةٍ كان أحدُ العوضين فيها نقداً، والآخر في الذمة نسيئةً، فإن العين عند العرب ما كان حاضراً، والدَّينُ ما كان غائباً]أحكام القرآن 1/496. وقد صح في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في تمرٍ فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يأتينا أنباطٌ من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجلٍ مسمى، فقلت: أكان لهم زرعٌ أو لم يكن لهم زرع؟فقال: ما كنا نسألهم عن ذلك)رواه البخاري. وقال الشيخ ابن المنذر:[أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز ] المغني 4/352 قال الشيخ سيد سابق:[ومشروعية السلم مطابقة لمقتضى الشريعة ومتفقة مع قواعدها وليست فيها مخالفة للقياس، لأنه كما يجوز تأجيل الثمن في البيع يجوز تأجيل المبيع في السلم،  من غير تفرقةٍ بينهما والله سبحانه وتعالى يقول:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}والدَّين هو المؤجل من الأموال المضمونة في الذمة، ومتى كان المبيع موصوفاً ومعلوماً ومضموناً في الذمة، وكان المشتري على ثقةٍ من توفية البائع المبيع عند حلول الأجل، كان المبيع ديناً من الديون التي يجوز تأجيلها والتي تشملها الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. 

ولا يدخل هذا في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع المرء ما ليس عنده، كما جاء في قوله لحكيم بن حزام:(لا تبع لا ليس عندك)-أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان-فإن المقصود من هذا النهي أن يبيع المرء ما لا قدرة له على تسليمه، لأن ما لا قدرة له على تسليمه ليس عنده حقيقة فيكون بيعه غرراً ومغامرةً. أما بيع الموصوف المضمون في الذمة مع غلبة الظن بإمكان توفيته في وقته، فليس من هذا الباب في شيء] فقه السنة3/123-124. 

وعقد السلم من العقود التي تعطي مرونة كبيرة للاقتصاد الإسلامي، وتفتح مجالاً رحباً في الزراعة والصناعة، فالمزارع يبيع إنتاجه الزراعي مقدماً، وكذا صاحب المصنع يبيع إنتاجه ويحصل على ثمنه مقدماً على أن يسلمه في مدةٍ لاحقةٍ متفقٍ عليها، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بالسلم وتطبيقاته المعاصرة ما يلي:[يُعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة سواء أكان تمويلاً قصير الأجل أم متوسطه أم طويله واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى. 

ولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم ومنها ما يلي: 

  • يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم فيقدم لهم بهذا التمويل نفعاً بالغاً ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم.  
  • يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية. 
  • يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها] 

ثم بين المجمع شروط وضوابط عقد السلم:[

أولاً: بشأن السلم: 

  • السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبط صفاته ويثبت ديناً في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات أم المصنوعات.  ب- يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، إما بتاريخ معين، أو بالربط بأمر مؤكد الوقوع،  ولو كان ميعاد وقوعه يختلف اختلافاً يسيراً لا يؤدي للتنازع كموسم الحصاد. 
  • الأصل تعجيل قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، ويجوز تأخيره ليومين أو ثلاثة ولو بشرط، على أن لا تكون مدة التأخير مساوية أو زائدة عن الأجل المحدد للسلم. 
  • لا مانع شرعاً من أخذ المُسْلِم (المشتري) رهناً أو كفيلاً من المسلّم إليه (البائع).
  •  يجوز للمسلِم (المشتري) مبادلة المسلَم فيه بشيء آخر– غير النقد-بعد حلول الأجل، سواء كان الاستبدال بجنسه أم بغير جنسه حيث إنه لم يرد في منع ذلك نصٌ ثابتٌ ولا إجماع، وذلك بشرط أن يكون البدل صالحاً لأن يجعل مسلماً فيه برأس مال السلم.  
  • إذا عجز المسلم إليه عن تسليم المسلم فيه عند حلول الأجل فإنَّ المسلم (المشتري) يخير بين الانتظار إلى أن يوجد المسلم فيه وفسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإذا كان عجزه عن إعسار فنظرة إلى ميسرة . 
  • لا يجوز الشـرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير .  
  • لا يجوز جعل الدين رأس مال للسلم لأنه من بيع الدين بالدين] مجلة المجمع عدد 9/1/371. 

وأما السلم الموازي الذي تطبقه المصارف الإسلامية فهو: أن يبيع المصرف في الذمة سلعاً من جنس ما أسلم فيه دون الربط بين العقدين. أو هو[أن يبرم العاقد صفقة شراء بالسلم، ثم يبرم صفقة بيع بالسلم دون ربطٍ بينهما، ويعزم على أن ينفذ الصفقة الثانية مما يتسلمه من الصفقة الأولى] www. islamweb. Net.

يقول د.علي السالوس:[أما السلم الموازي فهو جائز، ففيه عقدان منفصلان، وهو ليس من مبتكرات المعاصرين كما يظن الكثيرون، فإن الإمام الشافعي ذكره حيث قال:"من سلف في طعام ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يجز، وإن باع طعاماً بصفة ونوى أن يقبضه من ذلك الطعام فلا بأس" كتاب الأم 3/61] مخاطر التمويل الإسلامي ص46. 

ومثال ذلك أن يأتي مزارع إلى المصرف الإسلامي ويطلب بيعه محصوله من الزيتون ويحددا تاريخاً لتسلم الزيتون ويدفع المصرف الثمن للمزارع، ويقوم المصرف بالتعاقد مع طرفٍ آخر لبيعه كمية الزيتون بتاريخ آخر متفق عليه، ويتم ذلك من خلال عقدين منفصلين. وقد ورد في المعيار الشرعي رقم(10) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية [6- السلم الموازي6/1 يجوز للمسلم إليه أن يعقد سلماً موازياً مستقلاً مع طرف ثالث للحصول على سلعة مواصفاتها مطابقة للسلعة المتعاقد على تسليمها في السلم الأول ليتمكن من الوفاء بالتزامه فيه، وفي هذه الحالة يكون البائع في السلم الأول مشترياً في السلم الثاني. 6/2 يجوز للمسلم أن يعقد سلماً موازياً مستقلاً مع طرف ثالث لبيع سلعة مطابقة في مواصفاتها للسلعة التي اشتراها بعقد السلم الأول. وفي هذه الحالة يكون المشتري في السلم الأول بائعاً في السلم الثاني. 6/3 في كلتا الحالتين المذكورتين في البندين6/1و6/2 لا يجوز ربط عقد سلم بعقد سلم آخر، بل يجب أن يكون كل واحد منهما مستقلاً عن الآخر في جميع حقوقه والتزاماته، وعليه فإن أخل أحد الطرفين في عقد السلم الأول بالتزامه لا يحق للطرف الآخر (المتضرر بالإخلال) أن يحيل ذلك الضرر إلى من عقد معه سلماً موازياً، سواء بالفسخ أو تأخير التنفيذ. ]والسلم الموازي أجازته الهيئات العلمية الشرعية المعتبرة.  وخلاصة الأمر أن عقد السلم هو"بيع موصوفٍ في الذمة ببدل يُعطى عاجلاً "وهو مشروع باتفاق العلماء، وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم كما بينت. وأما السلم الموازي المطبق في المصارف الإسلامية فهو: أن يبيع المصرف في الذمة سلعاً من جنس ما أسلم فيه دون الربط بين العقدين. وله شروط وضوابط قررها الفقهاء. ويعتبر السلم أداة تمويل شرعية ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية ويستفيد منها المزارعون والصناعييون والمقاولون وغير ذلك من المجالات. 

أولاً: عقد الاستصناع هو عقدٌ على بيع عينٍ موصوفةٍ في الذمة مطلوبٌ صنعُها، وهو عقدٌ مشروعٌ عند عامة الفقهاء، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (اصطنع خاتماً) رواه البخاري. 

وثبت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استصنع منبراً كما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى امرأة من الأنصار: مُري غلامَك النجار يعملُ لي أعواداً أجلس عليهن).

وفي رواية عند مسلم: (انظري غلامَك النجار يعملُ لي أعواداً أكلِّمُ الناسَ عليها. فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة). والطرفاءُ شجرٌ لا شوك له، والغَابَة موضعٌ معروفٌ في عَوَالي المدينة النبوية. وقد تعامل المسلمون بالاستصناع في مختلف العصور وما زالوا يتعاملون به من غير نَكيرٍ. 

وقد أقرت المجامع الفقهية والهيئات العلمية الشرعية عقدَ الاستصناع، ووضعت له ضوابط معينة، فمن ذلك ما ورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: [بعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله - عقد الاستصناع - ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دورٌ كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالاتٍ واسعةٍ للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي، قرر ما يلي:

  • أولاً: إن عقد الاستصناع - وهو عقدٌ واردٌ على العمل والعينُ في الذمة - ملزمٌ للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط. 
  • ثانياً: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:
    • بيان جنس المستصنع ونوعه وقدْره وأوصافه المطلوبة.
    • أن يُحدد فيه الأجل. 
  • ثالثاً: يجوز في عقد الاستصناع تأجيلُ الثمن كله، أو تقسيطهُ إلى أقساطٍ معلومة لآجال محددة. 
  • رابعاً: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة] مجلة المجمع عدد 7 ج2 ص 223. 

ولعقد الاستصناع معايير وضوابط خاصة لا بد من مراعاتها حتى يكون العقد صحيحاً أوضحها فيما يلي:

  1. عقد الاستصناع ملزمٌ للطرفين إذا توافرت فيه شروطه،وهي: بيان جنس الشيء المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة، ومعلومية الثمن، وتحديد الأجل إن وجد.ويثبت للمستصنِع الخيارُ إذا جاء المصنوعُ مخالفاً للمواصفات المشروطة.
  2. لا يجوز عقدُ الاستصناع إلا فيما تدخله الصنعةُ وتخرجه عن حالته الطبيعية. فما دام الصانعُ التزم بالعين المصنوعة صح الاستصناع.
  3. يجب على الصانع إنجازُ العمل وفقاً للمواصفات المشروطة في العقد، وفي المدة المتفق عليها، أو في المدة المناسبة التي تقتضيها طبيعة العمل وفقاً للأصول المتعارف عليها لدى أهل الخبرة.
  4. يشترط أن يكون ثمنُ الاستصناع معلوماً عند إبرام العقد، ويجوز أن يكون نقوداً، أو عيناً، أو منفعةً لمدةٍ معينةٍ، سواء كانت منفعةَ عينٍ أخرى أم منفعةَ المصنوع نفسه.
  5. يجوز تأجيلُ ثمنِ الاستصناع، أو تقسيطهُ إلى أقساط معلومةٍ لآجالٍ محددة، أو تعجيلُ دفعةٍ مقدمةٍ، وتسديد باقي الثمن على دفعات متوافقة مع مواعيد التسليم لأجزاء من المصنوع. ويجوز ربطُ الأقساط بمراحل الإنجاز، إذا كانت تلك المراحل منضبطةً في العرف ولا ينشأ عنها نزاع.
  6. إذا كان العملُ مكوناً من عدة أجزاء، أو كان الثمنُ محدداً على أساس الوحدة، فيجوز أن يشترط الصانعُ على المستصنِع أن يؤدي من الثمن المؤجل بقدْر ما أنجزه من العمل مطابقاً للمواصفات.
  7. يجوز اتفاق الصانع والمستصنِع بعد عقد الاستصناع على تعديل المواصفات المشروطة في المصنوع، أو الزيادة فيه، مع تحديد ما يترتب على ذلك بالنسبة للثمن وإعطاء مهلةٍ في مدة تنفيذه، ويجوز النصُّ في العقد على أن مقابل التعديلات أو الزيادات هو بنسبتها إلى الثمن حسبما تقتضيه الخبرة أو العرف، أو أي مؤشرٍ معروفٍ تنتفي به الجهالة المفضية إلى النزاع.
  8. لا يجوز زيادةُ الثمن لتمديد أجل السداد. أما تخفيض الثمن عند تعجيل السداد، فيجوز إذا كان غير مشترط في العقد.
  9. تبرأُ ذمَّةُ الصانع بتسليم المصنوع إلى المستصنع أو تمكينه منه، أو تسليمه إلى من يحدده المستصنع.
  10. إذا كان المصنوعُ وقت التسليم غير مطابق للمواصفات، فإنه يحق للمستصنع أن يرفضه، أو أن يقبله بحاله، فيكون من قبيل حسن الاقتضاء. ويجوز للطرفين أن يتصالحا على القبول ولو مع الحط من الثمن.
  11. يجوز أن يتضمن عقدُ الاستصناع شرطاً جزائياً غير مجحفٍ، لتعويض المستصنع عن تأخير التسليم بمبلغٍ يتفق عليه الطرفان، إذا لم يكن التأخير نتيجةً لظروفٍ قاهرةٍ أو طارئةٍ، ولا يجوز الشرط الجزائي بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء الثمن، لأن ذلك يعتبر من باب الربا. 
  12. لا يجوز بيعُ المصنوع قبل تسلُّمه من الصانع حقيقةً أو حكماً، وبناءً على ذلك لا يجوز أن تُباع الشقة التي اشتريت على المخططات قبل أن يتسلمها المشتري.
  13. يجوز أن تجري المؤسسة بصفتها صانعاً عقد استصناع مع عميلٍ بثمنٍ مؤجلٍ، وتتعاقد مع صانعٍ أو مقاولٍ للشراء منه بالاستصناع الموازي لمصنوعات أو مبانٍ بنفس المواصفات بثمنٍ حالٍّ، بشرط عدم الربط بين العقدين] المعيار الشرعي رقم (11) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 173 فما بعدها.

ثانياً: نظراً للتطور الاقتصادي الكبير الذي تشهده البلاد الإسلامية، ونظراً للحاجة الكبيرة لدعم الاقتصاد بمشاريع ضخمةٍ، وبرؤوس أموالٍ كبيرةٍ، فقد أصبح عقدُ الاستصناع من العقود ذات الأهمية الكبيرة للبنوك الإسلامية تلبيةً لاحتياجات ورغبات الجماعات والأفراد، والتي لا يمكن تمويلها بعقود البيوع الأخرى، وذلك من خلال تصنيع السلع وسداد الثمن مؤجلاً أو على أقساط،وفقاً لقدرات المستصنِع وموافقة الصانع على ذلك، صارت الحاجةُ ملحةً لتطوير عقد الاستصناع، فنشأ عقد الاستصناع الموازي وصورته:[أن يُبرم المصرفُ عقدَ استصناعٍ بصفته صانعاً مع عميلٍ يريد صنعةً معينةً، فيجرى العقدُ على ذلك، وتتعاقد المؤسسة مع عميلٍ آخر باعتبارها مستصنِعاً، فتطلب منه صناعة المطلوب بالأوصاف نفسها. ويتحقق الربحُ عن طريق اختلاف الثمن في العقدين، والغالب أن يكون أحدهما حالَّاً - وهو الذي مع الصُنّاع أو المقاولين - والثاني مؤجلاً – وهو الذي مع العميل -.

ومستندُ جواز إبرام المؤسسة بصفتها مسستنصعاً عقد استصناعٍ موازٍ مع طرفٍ آخر بنفس مواصفات ما اشترته، هو أنه عبارةٌ عن صفقتي استصناعٍ، لا يوجد ربطٌ بينهما، فلا يفضي إلى بيعتين في بيعةٍ المنهي عنه، والذي يمنع كذلك من تحول الاستصناع الموازي إلى إقراضٍ ربوي] انظر المعيار الشرعي السابق وعقد الاستصناع للشيباني ص 16. 

ولا يلزم في عقد الاستصناع الموازي أن يقوم البنكُ الإسلامي بمباشرةِ الصنعِ بنفسه، ولكن يلزمه تسليم المصنوع طبقاً للمواصفات المتفق عليها، ويجوز للبنك التعاقد في حالة الاستصناع مع طرفٍ ثالثٍ لصناعة الأصل الذي يطلبه العميل، بحيث يكون فيه البنك مستصنِعاً والطرف الثالث صانعاً، على أن لا يُنشئ هذا التعاقدُ اللاحقُ أيةَ التزاماتٍ تعاقديةٍ بين عميل البنك وذلك الطرف الثالث.

ثالثاً: الوكالةُ من العقود الجائزةُ شرعاً على الراجح من أقوال أهل العلم، والتوكيلُ أن يفوَّضَ الشخصُ التصرفَ إلى غيره، وسمِّي الوكيلُ وكيلاً، لأن موكله قد فوَّض إليه القيامَ بأمره، فهو موكول إليه الأمر. 

وعرَّف الحنفيةُ الوكالة بأنها إقامة الغير مقام نفسه في تصرفٍ جائزٍ معلومٍ. حاشية ابن عابدين 4/400، وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة رقم (1449):[الوكالة هي تفويض أحدٍ في شغلٍ لآخر وإقامته مقامه في ذلك الشغل، ويقال لذلك الشخص موكلٌ،ولمن أقامه وكيلٌ، ولذلك الأمر موكل به. 

وقد اتفق الفقهاء على أن الوكالة جائزةٌ ومشروعةٌ، واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} سورة الكهف الآية 19. وبقوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} سورة النساء الآية 35. 

وعن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينارٍ وشاةٍ، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى الترابَ لربح فيه) رواه البخاري. 

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أردت الخروجَ إلى خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمتُ عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على ترقوته) رواه أبو داود والدارقطني، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير 3/51. 

وعن أبي رافع رضي الله عنه قال:(تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونةَ رضي الله عنها وهو حلالٌ- أي لم يكن محرماً بحجٍ ولا عمرة- وبنى بها وهو حلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما) رواه الترمذي وحسنه. 

وقد أجمع الفقهاء على جواز الوكالة ومشروعيتها منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 45/5-8. 

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى ذلك، فإنه لا يمكن كل واحدٍ فعلَ ما يحتاج إليه‏,‏ فدعت الحاجةُ إليها‏‏] المغني5/201. 

رابعاً: تجوز الوكالة في عقد الاستصناع بشكلٍ عام، فيجوز للبنك الصانع في الاستصناع الموازي أن يوكلَ المستصنِع في اختيار الصانع المنفذ، ليتعاقد معه البنك. 

ويجوز للبنك الصانع أن يوكل المستصنِع في الإشراف على عمل الصانع النهائي، الذي يتعاقد معه البنك، لتنفيذ المصنوع، وذلك للتأكد من التزام الصانع بالمواصفات المتفق عليها بين البنك والعميل، بشرط أن لا ينشأ عن ذلك علاقةٌ تعاقديةٌ مباشرةٌ بين العميل والصانع النهائي ذات صلة بالمصنوع. 

وكذلك لا مانع إذا كان البنك مستصنعاً من توكيل الصانع ببيع المصنوع بربحٍ إلى طرفٍ ثالثٍ نيابةً عن المستصنِع. ولكن لا يجوز للبنك الصانع توكيلَ العميل المستصنِع بمباشرةِ الصناعة وتنفيذ المصنوع نيابة عنه] www.islamifn.com/maaeer/istisna.htm

ورد في معيار الاستصناع والاستصناع الموازي:

[الإشراف على التنفيذ 5/1 يجوز للمؤسسة بصفتها مستصنِعاً أن توكلَ مكتباً فنياً للنيابة عنها بموافقة الصانع للتحقق من التقيد بالمواصفات المشروطة، والموافقة على تسليم الدفعات وفقاً لذلك، والتسليم، والتسلم.

 5/2 يجوز للمؤسسة بصفتها صانعة توكيل المستصنِع بعقدِ توكيلٍ مستقلٍ عن عقد التصنيع، للقيام بالإشراف على إنجاز المصنوع طبقاً للمواصفات المتعاقد عليها.

 5/3 يجوز اتفاق الصانع والمستصنِع على تحديد من يتحمل منهما التكلفة الإضافية المتعلقة بالإشراف...ومستندُ جواز توكيل المؤسسة بصفتها مستصنعاً مكتباً للإشراف الفني، وجواز توكيل المستصنع نفسه إذا كانت المؤسسةُ صانعةً هو أن الوكالة مشروعةٌ ولا يوجد ما يمنع جوازها في الاستصناع ما دام ذلك باتفاق الطرفين].

خامساً: يجب على البنوك الإسلامية عند تنفيذ عقد الاستصناع الموازي أن تحذر من جعله عقداً شكلياً، وتتحلل من التزاماتها، وتُحيلها إلى المستصنع، فإن ذلك يؤدي إلى إبطال العقد، فلا بدَّ أن يتحمل البنك الإسلامي جميع الالتزامات الناتجة عن إبرامه عقدَ الاستصناع بصفته صانعاً،ولا يحقُ له أن يحولها إلى المستصنِع في الاستصناع الموازي. وبناءً عليه لا يجوز شرعاً الربطُ بين عقدي الاستصناع والاستصناع الموازي، ورد في المعيار السابق:[يجب أن تتحمل المؤسسةُ نتيجةَ إبرامها عقدَ استصناعٍ بصفتها صانعاً تبعاتِ المالك، ونفقاتِ الصيانة، والتأمين قبل التسليم إلى المستصنِع (العميل)، ولا يحق لها أن تُحول التزاماتها مع العميل إلى الصانع في عقد الاستصناع الموازي. ولا يجوز الربطُ بين عقد الاستصناع وعقد الاستصناع الموازي، ولا يجوز التحلل من التسليم في أحدهما إذا لم يقع التسليم في الآخر، وكذلك التأخير أو الزيادة في التكاليف، ولا مانعَ من اشتراط المؤسسة على الصانع في الاستصناع الموازي شروطاً - بما فيها الشرط الجزائي - مماثلة للشروط التي التزمت بها مع العميل في الاستصناع الأول أو مختلفة عنها].

وكذلك فمن شروط صحة عقد الاستصناع أنه لا يجوز اشتراطُ الصانعِ البراءةَ من العيوب في عقد الاستصناع. فعلى البنك الإسلامي أن يتحملَ ضمانَ العيوب للمستصنِع. 

ولا يجوز شرعاً أن يكون عقد الاستصناع حيلةً للحصول على المال بطريقةٍ ربوية، ورد في المعيار السابق:[لا يجوز أن تتم عقود أو إجراءات الاستصناع بصورةٍ تجعلُ العملية حيلةً على التمويل الربوي، مثل التواطؤ على شراء المؤسسة من الصانع مصنوعاتٍ أو معداتٍ بثمنٍ حال وبيعها إليه بثمنٍ مؤجلٍ أزيد، أو أن يكون طالب الاستصناع هو نفسه الصانع، أو أن يكون الصانع جهةً مملوكةً للمستصنِع بنسبة الثلث فأكثر، حتى لو تمَّ ذلك عن طريق المناقصة، وذلك تجنباً لبيوع العينة].

وخلاصة الأمر أن عقد الاستصناع هو عقدٌ على بيع عينٍ موصوفةٍ في الذمة مطلوبٌ صنعُها، وهو عقدٌ مشروعٌ عند عامة الفقهاء،وقد تعامل المسلمون بالاستصناع في مختلف العصور وما زالوا يتعاملون به من غير نكيرٍ.وقد أقرته المجامع الفقهية والهيئات العلمية الشرعية، ووضعت له ضوابط معينة.وأنه قد تطور عقدُ الاستصناع فنشأ الاستصناع الموازي، وهو أن يكون البنك الإسلامي صانعاً ومستصنِعاً في ذات الوقت، وله ضوابطه الشرعية. وتجوز الوكالة في عقد الاستصناع بشكلٍ عامٍ، ولها ضوابط شرعية، وأنه يجب على البنوك الإسلامية الحذرَ من جعل عقد الاستصناع الموازي عقداً شكلياً، وتتحلل من التزاماتها، وتُحيلها إلى المستصنِع، فإن ذلك يؤدي إلى إبطال العقد، فلا بد أن يتحمل البنك الإسلامي جميعَ الالتزامات الناتجة عن إبرامه عقدَ الاستصناع، بصفته صانعاً، ولا يحق له أن يحولها إلى المستصنِع في الاستصناع الموازي.

كثير من الناس يلقون الكلام جزافاً دون معرفة أو اطلاع على حقائق الأمور وأمثال هذا الكلام الذي قاله خطيب الجمعة يردده كثير من الوعاظ والعامة وبعض المنتسبين إلى العلم الشرعي من أرباع المثقفين وليس من أنصافهم الذين ما عرفوا الأسس الشرعية التي تقوم عليها فكرة البنوك الإسلامية وما عرفوا كيفية تطبيق المعاملات في البنوك الإسلامية ومن جهل شيئاً عاداه وبعض هؤلاء المعادين لفكرة البنوك الإسلامية يرفضونها لأنهم يعتبرونها ترقيعاً ويظنون أنه عندما تقوم للمسلمين دولة سيضغط الخليفة على زر فتتحول البنوك الربوية إلى بنوك إسلامية في لحظة واحدة ولكن هؤلاء واهمون ومخطئون .

ولو سألت هؤلاء ما هو الحل لهذه المشكلة العظيمة التي يعاني منها العالم الإسلامي وهي هذا الطوفان الربوي الجارف فلا يحرون جواباً سديداً .

والغريب في مقولة المحاربين لفكرة البنوك الإسلامية أنهم يسوون بين الحلال والحرام دونما بصر أو بصيرة ودعواهم هذه قالها المشركون قديماً كما حكى الله سبحانه وتعالى قولهم :( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ) وقد رد الله سبحانه وتعالى عليهم رداً قاطعاً واضحاً فقال جل جلاله :( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) .

وأقول لهؤلاء هل درستم نظام المعاملات في الشريعة الإسلامية دراسة واعية ودرستم كيفية تطبيق البنوك الإسلامية لمعاملاتها قبل أن تلقوا الكلام على عواهنه .

إن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها البنوك الإسلامية هي البعد عن الربا في جميع معاملاتها أخذاً وإعطاءً فكيف تسوون بينها وبين البنوك الربوية التي تقوم أكثر معاملاتها على الربا أخذاً وإعطاءً.

إن البنوك الإسلامية تعلن جهاراً نهاراً أنها لا تتعامل بالربا بجميع أشكاله وتنص أنظمتها ولوائحها الداخلية على ذلك ويأتي هؤلاء ويقولون إنه لا فرق بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية !!؟

إن خاصية البنوك الإسلامية في عدم التعامل بالربا هي الخاصية الأساسية التي يتميز بها البنك الإسلامي عن البنك الربوي لأن الربا كما هو معلوم محرم بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله  e ، يقول الله سبحانه وتعالى :( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ  أثيم إن الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) سورة البقرة الآيات 275 - 279.

 ويقول النبي :( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء ) رواه مسلم .

يقول الدكتور غريب الجمال :[ تشكل خاصية استبعاد الفوائد من معاملات المصارف الإسلامية المعلم الرئيسي لها وتجعل وجودها متسقاً مع البنية السليمة للمجتمع الإسلامي وتصبغ أنشطتها بروح راسية ودوافع عقائدية تجعل القائمين عليها يستشعرون دائماً أن العمل الذي يمارسونه ليس مجرد عمل تجاري يهدف إلى تحقيق الربح فحسب بل إضافة إلى ذلك أسلوب من أساليب الجهاد في حمل عبء الرسالة والإعداد لاستنقاذ الأمة من مباشرة أعمال مجافية للأصول الشرعية وفوق كل ذلك وقبله يستشعر هؤلاء العاملون أن العمل عبادة وتقوى مثاب عليها من الله سبحانه وتعالى إضافة إلى الجزاء المادي الدنيوي ] عن المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص 192-193 .

كما أن البنوك الإسلامية توجه كل جهودها نحو استثمار المال بالحلال فمن المعلوم أن المصارف الإسلامية مصارف تنموية بالدرجة الأولى ولما كانت هذه المصارف تقوم على اتباع منهج الله المتمثل بأحكام الشريعة الغراء ، لذا فإنها وفي جميع أعمالها تكون محكومة بما أحله الله وهذا يدفعها إلى استثمار وتمويل المشاريع التي تحقق الخير للبلاد والعباد والتقيد في ذلك بقاعدة الحلال والحرام التي يحددها الإسلام مما يترتب عليه ما يأتي :

  • توجيه الاستثمار وتركيزه في دائرة إنتاج السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للإنسان المسلم .
  • تحري أن يقع المنتج - سلعة كان أو خدمة - في دائرة الحلال .
  • تحري أن تكون كل مراحل العملية الإنتاجية ( تمويل - تصنيع - بيع - شراء ) ضمن دائرة الحلال .
  • تحري أن تكون كل أسباب الإنتاج ( أجور - نظام عمل ) منسجمة مع دائرة الحلال .
  • تحكيم مبدأ احتياجات المجتمع ومصلحة الجماعة قبل النظر إلى العائد الذي يعود على الفرد ]. المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص 193 .

ويضاف إلى ذلك ما للبنوك الإسلامية من دور هام في إحياء نظام الزكاة من خلال صندوق الزكاة وتوزيع الزكاة على المستحقين لها .

وكذلك دور البنوك الإسلامية الذي لا ينكره إلا مكابر أو جاهل في بعث الروح في فقه المعاملات في الشريعة الإسلامية الذي طالما كان مهجوراً فتوجهت همم الباحثين والدارسين لنفض الغبار عنه وبدأت الدراسات الكثيرة عن مفردات هذا النظام فحفلت المكتبة الإسلامية بمئات المؤلفات التي درست المرابحة والمضاربة والشركات والصرف وغير ذلك .

وينبغي أن يعلم أن كلامي هذا عن البنوك الإسلامية لا يعني أنها بلغت الدرجة العالية في التطبيق والتنفيذ وأنها لا تخطئ وأنـها كلها تسير على المنـهـج الشـرعي بشكـل تام .

لا فإن البنوك الإسلامية حالها كحال الناس تماماً فكما أنك تجد في أفراد المسلمين من هو ملتزم تماماً بالحكم الشرعي وتجد فيهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فكذلك البنوك الإسلامية تجد بعضها لديه التزام عال بالمنهج الشرعي وبعضها يخلط الخطأ بالصواب وإن وجود الأخطاء في التطبيق لدى البنوك الإسلامية لا يعني بحال من الأحوال أن الخطأ في الفكرة والقاعدة التي تسير عليها البنوك الإسلامية ولكن وجود الأخطاء من العاملين أمر عادي جداً فالذي لا يعمل هو الذي لا يخطئ أما الذي يعمل فلا بد أن يقع منه الخطأ .

وأخيراً يجب التنبيه إلى أن البنوك الإسلامية تسير في مسيرتها التي تشهد تقدماً ونجاحاً بمرور الأيام - والحمد لله - معتمدةً على أسس وقواعد وضعها عدد كبير من علماء المسلمين في هذا العصر من خلال دراسات وأبحاث ومجامع علمية وفقهية ومن خلال مؤتمرات علمية يشارك فيها خبراء في الاقتصاد بجانب علماء الشريعة كما أن لكل بنك إسلامي هيئة للرقابة الشرعية مؤلفة من أهل الخبرة والاختصاص الشرعيين والاقتصاديين لمراقبة أعمال البنك تتولى التوجيه والإرشاد والتدقيق وغير ذلك .

وأختم كلامي بعبارات نيرة لأستاذنا فقيه العصر الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه  فقد قال :[ ... كلمة أوجهها للناقدين للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية أيا كانت دوافعهم وأعتقد أن بعضهم مخلص في نقده وكلمتي إليهم تتمثل في أمور ثلاثة:

  • أن يكونوا واقعيين ولا ينشدوا الكمال في البنوك الإسلامية وحدها في مجتمع يعج بالنواقص في كل ميدان وأن يصبروا على التجربة فهي لا زالت في بدايتها وأن يقدموا لها العون بدل أن يوجهوا إليها الطعن من أمام ومن خلف . وان يذكروا هذه الحكمة جيداً : إن من السهل أن نقول ونحسن القول ولكن من الصعب كل الصعب أن يتحول القول إلى عمل .
  • أن يقدموا حسن الظن بالناس بدل المسارعة بالاتهام للغير وسوء الظن بالآخرين وأن يتخلوا عن الإعجاب بالرأي فهو أحد المهلكات وعن الغرور بالنفس فهو أحد الموبقات وأن يذكروا قول الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) سورة الحجرات الآية 12. وقول رسوله الكريم :( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) متفق عليه .
  • أن يذكروا أن المصارف الإسلامية - وإن كان لها بعض السلبيات وعليها بعض المآخذ - لها إيجابيات مذكورة وإنجازات مشكورة نذكر منها :
    • أنها يسرت للفرد المسلم سبيل التعامل الحلال وأراحت ضمائر المسلمين من التعامل مع البنوك الربوية .
    • زرعت الثقة والأمل في أنفس المسلمين بإمكان قيام بنوك بغير ربا وأن تطبيق الشريعة عندما تتجه الإرادة الجماعية  إليه ميسور غير معسور .
    • شجعت قاعدة كبيرة من جماهير الشعوب المسلمة على الادخار والاستثمار على حين قلما تتعامل البنوك الربوية إلا مع الأغنياء .
    • هيئت فرصة مساعدة الفقراء ومساعدة المؤسسات الخيرية والجمعيات الإسلامية عن طريق صناديق الزكاة والبر والقرض الحسن .
    • ساهمت في تنمية الجانب التربوي الثقافي ] بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية ص 86- 87 .

عقد المرابحة هو في الأصل بيع المرابحة المعروف عند الفقهاء المتقدمين وإن اختلفت بعض صوره الحديثة التي تتعامل وفقها المؤسسات والبنوك الإسلامية كبيع المرابحة للآمر بالشراء فبيع المرابحة عند الفقهاء هو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح.

وصورة بيع المرابحة المستعملة الآن في البنوك والمؤسسات الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربح معلوم بعد شراء البنك لها وهذه الصورة هي المسماة ببيع المرابحة للآمر بالشراء ومثال ذلك أن يطلب صاحب مصنع من البنك أو المؤسسة التي تتعامل وفق الشريعة الإسلامية أن يشتري له جهازاً من الأجهزة اللازمة له ويكون طلب الشراء مصحوباً باستعداد لشراء ذلك الجهاز من البنك أو المؤسسة إذا كانت مواصفاته كما طلب ويدفع المشتري ربحاً يتم الاتفاق عليه مقابل قيام البنك أو المؤسسة بشراء ذلك الجهاز وتأجيل الثمن وجعله على أقساط فيشتري البنك أو المؤسسة الجهاز ويحوزه في ملكه ثم يبيعه للآمر بالشراء حسب الشروط التي تم الاتفاق عليها ، وإذا لحق بالجهاز ضرر يكون الضرر على البنك إلى أن يقوم بتسليمه للآمر بالشراء ويكون الآمر بالشراء ملزماً بشراء السلعة إذا كانت مواصفاتها كما طلب.

فهذه الصورة من بيع المرابحة للآمر بالشراء هي أكثر صورة منتشرة الآن وهذه الصورة جائزة شرعاً عند كثير من فقهاء العصر وصدرت بجوازها فتاوى كثيرة والأدلة على جوازها، قوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) فالآية الكريمة تدل على حل جميع أنواع البيع إلا إذا ورد دليل بتحريم نوع معين والمرابحة من ضمن البيوع المباحة.

وكذلك فإن المعاملات مبنية على مراعاة العلل والمصالح كما قرر ذلك فقهاء الإسلام يقول د. يوسف القرضاوي حفظه الله :[ إن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها أو ما خشي منه أن يؤدي إلى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر … ].

وكذلك فإن بيع المرابحة جائز قياساً على جواز عقد الاستصناع، وأما قول من قال إن هذه الصورة ما هي إلا نوع من الربا فكلام باطل ومردود وقد أجاب عن ذلك الشيخ القرضاوي فقال: [ قالوا: إن القصد من العملية كلها هو الربا والحصول على النقود التي كان يحصل عليها العميل من البنك الربوي فالنتيجة واحدة وإن تغيرت الصورة والعنوان، فإنها ليست من البيع والشراء في شيء فإن المشتري الحقيقي ما لجأ إلى المصرف إلا من أجل المال والمصرف لم يشتر هذه السلعة إلا بقصد أن يبيعها بأجل إلى المشتري وليس له قصد في شرائها.

ونقول إن هذا الكلام ليس صحيحاً في تصوير الواقع فالمصرف يشتري حقيقة ولكنه يشتري ليبيع لغيره كما يفعل أي تاجر وليس من ضرورة الشراء الحلال أن يشتري المرء للانتفاع أو القنية أو الاستهلاك الشخصي، والعميل الذي طلب من المصرف الإسلامي أن يشتري له السلعة يريد شراءها حقيقة لا صورة ولا حيلة كالطبيب الذي ذكرنا أنه يريد شراء أجهزة ولجوء مثله إلى المصرف الإسلامي ليشتري له السلعة المقصودة له أمر منطقي لأن مهمة المصرف أن يقدم الخدمة والمساعدة للمتعاملين معه. من ذلك أن يشتري لهم السلعة بما يملك من ماله ويبيعها لهم بربح مقبول. نقداً أو لأجل وأخذ الربح المعتاد على السلعة لا يجعلها حراماً وبيعها إلى المشتري بأجل لا يجعلها حراماً أيضاً.

المهم أن هنا قصداً إلى بيع وشراء حقيقيين لا صوريين وليس المقصود الاحتيال لأخذ نقود بالربا والقول بأن هذه العملية هي نفس ما يجري في البنوك الربوية وإنما تغيرت الصورة فقط قول غير صحيح. فالواقع أن الصورة والحقيقة تغيرتا كلتاهما فقد تحولت من استقراض بالربا إلى بيع وشراء وما أبعد الفرق بين الإثنين وقد حاول اليهود قديماً أن يستغلوا المشابهة بين البيع والربا ليصلوا منها إلى إباحة الربا فرد الله تعالى عليهم رداً حاسماً بقوله :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) سورة البقرة الآية 275 .

على أن تغيير الصورة أحياناً يكون مهماً جداً وإن كانت نتيجة الأمرين واحدة في الظاهر فلو قال رجل لآخر أمام ملأ من الناس: خذ هذا المبلغ واسمح لي أن آخذ ابنتك لأزني بها فـقبـل وقبلت البنت لكان كل منهم مرتكباً منكراً من أشنع المنكرات ولو أنه قال له: زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهراً لها … فقبل وقبلت لكان كل من الثلاثة محسناً والـنـتـيجة في الـظـاهر واحدة ولـكـن يترتب على مجرد كلمة "زواج " من الحقوق والمسؤوليات شيء كثير. وكذلك كلمة " البيع " إذا دخلت بين المتعاملين فإنه يترتب عليها بأن يكون هلاك المبيع إذا هلك على ضمان البائع حتى يقبضه المشتري. وأن يتحمل تبعة الرد بالعيب إذا ظهر فيه عيب وكذلك إذا كان غائباً واشتراه على الصفة فجاء على غير المواصفات المطلوبة.

كما أنه إذا تأخر في توفية الثمن في الأجل المحدد لعذر مقبول لم تفرض عليه أية زيادة كما يفعل البنك الربوي بل يمهل حتى يوسر كما قال تعالى:( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) البقرة 280.

وإن تأخر لغير عذر فهو حينئذ ظالم يستحق العقوبة كما في حديث: ( مطل الغني ظلم ) وحديث: ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ) فمن حق المصرف الإسلامي أن يطالبه بالتعويض عن الضرر الفعلي قلّ أو كثر عملاً بالقاعدة الشرعية التي عبر عنها حديث: ( لا ضرر ولا ضرار ) وأخذ منها الفقهاء أن الضرر يزال.

وهذا يخالف ما تفعله البنوك الربوية لأنها تأخذ المبلغ المقترض والفائدة الربوية المقررة على كل حال من المعسر والموسر سواء حدث ضرر أم لم يحدث سواء كان الضرر قليلاً أم كثيراً بل تأخذه سواء سلمت السلعة المقترض لها المال أم لم يتسلمها أو هلكت فالبنك الربوي لا علاقة له بالسلعة بحال، انظر بيع المرابحة ص 27-31.

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم ولأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجد أنها حددت مقدار أرباحهم بل جعلت ذلك حسب ظروف التجارة والسماحة والتيسير وعدم الاستغلال .

وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على جواز أن يربح التاجر ضعف ثمن البضاعة فقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري بإسناده عن شبيب بن غرقدة ، قال :( سمعت الحي يحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب أربح فيه ) وقول الراوي في الحديث : سمعت الحي أي قبيلته كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 7/445 .

وقد ورد هذا الحديث براوية أطول عند الإمام أحمد في مسنده عن عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه قال :( عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني ديناراً ، وقال : أي عروة أنت الجلب فاشتر لنا شاة فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت : يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم . قال : وصنعت كيف ؟ قال فحدثته الحديث . فقال : اللهم بارك له في صفقة يمينه ، فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة أي سوقها فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي وكان يشتري الجواري ويبيع ) الفتح الرباني 15/20 .

ففي هذا الحديث نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقر عروة على بيعة الشاة بدينار مع أنه اشتراها بنصف دينار فقد ربح فيها ما نسبته 100% فهذا يدل على جواز أن يربح التجار هذه النسبة بشرط أن لا يكون في البيع غش أو خداع أو احتكار أو غبن فاحش .

فالتاجر المسلم الملتزم بدينه لا يتعامل بهذه الطرق غير المشروعة وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي مسألة تحديد أرباح التجار وقرر ما يلي :

  • أولاً: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قول الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ).
  • ثانياً: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسلع مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير .
  • ثالثاً: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش والخديعة والتدليس والاستغفال وتزييف حقيقة الربح والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة .
  • رابعاً: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللاً واضحاً في السوق والأسعار نائشاً من عوامل مصطنعة فإن لولي الأمر حينئذ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش .